اسحاق منذ صغر سنه هي ذاكرته الممتازة [1] وقدرته العالية على حفظ العلم ودراسته وكان يمتدح لامتلاكه هذه الذاكرة القوية فقد روى الخطيب عن شعبة (ت 160 هـ/776م) قوله (( محمد بن اسحاق امير المحدثين. فقيل له: لم؟ فقال لحفظه ) ) [2] وقال محمد بن خازم (ت 195 هـ/ 819م) (( كان ابن اسحاق من احفظ الناس ... واذا كان عند الرجل خمسة احاديث او اكثر جاء فاستودعها ابن اسحاق وقال احفظها علي فان نسيتها كنت قد حفظتها علي ) ) [3] وهذا انما يدل على قدرته العالية على حفظ العلم، والمهم في هذا الامر الامانة العالية التي يتمتع بها ابن اسحاق فقد تبين لنا من كلام ابن خازم ليس فقط قدرة ابن اسحاق العالية على الحفظ بل انه كان حاصلًا على ثقة الناس وانهم يودعون لديه ما حفظوا من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) دون أي تردد، ومعلوم انه في هذه الفترة كان كل شخص يتباهى بما يحفظ من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكان الحفظ في هذه الفترة له مكانته الخاصة بل ان قدرة الحفظ العالية لابن اسحاق صورته لنا بانه من حفاظ النصيب الاكبر من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقد ذكر الخطيب [4] ، عن علي بن المديني (ت334 هـ/ 945م) قوله (( مدار حديث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على ستة فذكرهم ثم قال: فصار علم الستة عند اثنى عشر احدهم ابن اسحاق ))وهناك رواية اخرى تدل على مدح ابن اسحاق لاخلاقه بنفسه تلك الاخلاق العالية التي لم تكن تخفى على من حوله ولو لم يكن ذلك صحيحًا لما تناقل هذا الخبر من سمعه من ابن اسحاق في حينها فقد ذكر الخطيب قائلًا (( ... حدثنا ابراهيم بن يحيى بن محمد بن هانى الشجري عن ابيه قال لما اراد محمد بن اسحاق الى الخروج الى العراق قال له رجل من اصحابه: اني احسب السفر غدًا خسيسة يا ابا عبد الله وكان ابن اسحاق قد رق فقال: والله ما اخلاقنا بخسيسة ولربما قصر الدهر باع الكريم [5] ) .
(1) الدوري، دراسة: 117؛ حسين محمد سليمان، المدخل الى دراسة علم التاريخ، دار الاصلاح، الدمام، 1984م: 144؛ اكرم ضياء الدين العمري، السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم، ط5، المدينة المنورة، 1993م: 42.
(2) الخطيب، المصدر السابق: 1/ 243.
(3) المصدر نفسه: 1/ 235 - 236.
(4) المصدر نفسه: 1/ 234.
(5) المصدر نفسه: 1/ 236.