الصفحة 3 من 6

ومن ذلك توجيه المسلمين إلى الكسب المباح عن طريق الكدح والعمل، والمشي في مناكب الأرض؛ حتى يعف الإنسان نفسه، ويستغني عن غيره.

كما وجههم في المقابل إلى أن يترفعوا عن مسألة الناس، ونفرَّهم من ذلك الخلق الذميم إلا من كان مضطرًا أو متحملًا حمالة ، أو من أصابته جائحة، أو فاقة، أو نحو ذلك.

كما أرشدهم إلى أن اليد العليا خير من اليد السفلى؛ فمنع القادر على الكسب من بسط كفه للاستجداء إذا كان في استجدائه إراقة لماء وجهه.

بل إن من أحكام الشريعة إباحة التيمم للمكلف وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء؛ لما في ذلك من المنة التي تنقص حظًا وافرًا من أطراف الهمة الشامخة.

بل ومنها عدم إلزام الإنسان باستهابة ثوب يستر به عورته في الصلاة؛ صيانة لضياء وجهه من الانكساف بسواد المطالب.

ومن الأحكام القائمة على رعاية هذا الخلق أن التبرعاتِِ لا تقرر إلا بقبول المتبرع له؛ إذ قد يربأ به خلق العزة عن قبولها؛ كراهة احتمال منتها.

والمنة تصدع قناة العزة؛ فلا يحتملها ذو مروءة إلا في حال الضرورة، ولا سيما منةً تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.

ثم إن الشريعة أرشدت المسلم إذا أخذ المال أن يأخذه بسخاوة نفس؛ ليبارك الله له فيه، ولا يأخذه بإسراف، وهلع، وتعرض، وذلة، وإشراف.

وإذا اتصف المرء بعزة النفس وفُرت كرامتُه، وارتفع رأسه، وسلم من ألم الهوان، وتحرر من رق الأهواء، وذل الطمع، ولم يسر إلا على وَفْقِ ما يمليه عليه إيمانه، والحق الذي يحمله؛ ولهذا تجد أن أشدَّ الناس عزمًا ومضاءًا هو أنزههم نفسًا، وأبعدهم عن الطمع وجهه.

ثم إن عزة النفس تضفي على صاحبها وقارًا وجلالًا ومكانةً في القلوب؛ وذلك مما تنشرح له صدور العظماء، وإنما يعاب الرجل إذا جعل هذه المكانة غايته المنشودة دون أن يكون الحامل عليها رضا الله، ومن ثمَّ نفع الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت