الصفحة 4 من 306

لقد حاولت جهدي أن أكون موضوعيًا, وأرجو أن لا تكون هذه الموضوعية قد حجبت إمكانية رؤية الجانب الإنساني من اللبنانيين, ذلك الجانب الذي نتشارك به جميعًا, فسواء كنا علماء اجتماع أم ببساطة أعضاء من الجنس البشري, علينا أن لا نقع أسرى أطرنا المفهومية, أو نقع في اللامبالاة إزاء العنف الممل في تكراره, فلا نسمح لأنفسنا ولو للحظة واحدة أن ننسى أن المأساة اللبنانية هي مأساة بشر من لحم ودم, وأنا أعلم أن هذه الملاحظات لن ترضي بعض منظري واقعية القوة في العالم, أو بعض المعلقين الذين يفضلون أم يجردون لبنان من إنسانيته حتى أكثر مما فعل اللبنانيون أنفسهم, إلا أننا جميعًا نعرف ما أدت إليه وجهات النظر هذه من كوارث.

حاولت في هذا الكتاب, أن أساعد القارئ على فهم جذور التفتت في لبنان, إلا أنه ليس كتابًا في تعداد الآلاف من الطرق التي ابتكرها اللبنانيون لتدمير الآخرين وتدمير أنفسهم, وهذا لا يعني أنه علينا أن نتجاهل التذابح, أو أن نتقبله ونتغاضى عنه, لكن إن لم نحدد الإطار الاجتماعي والسياسي الذي ازدهرت الفوضى من خلاله, فلن يكون هذا الكتاب أكثر من تحقيق صحفي مثير, وإني إذ أرفض ذلك المنظور العصري الحاد الذي يبدو للعيان أنه لا يخدم إلا نفسه, والذي لا يرى في سفك الدماء في لبنان, إلا نتيجة مباشرة لعدائيات بدائية بين مجموعات من البشر نشأوا بطريقة ما بشكل معاق متخلف, أرفض أيضًا ما يقوله أولئك التبريريون الذين يرون أن العنف في لبنان, إنما يعود بشكل مباشر لتلاعب وتدخلات القوى الخارجية فيه, فكلا النقيضين لا يلتقط حقيقة وتعقيدات الاضطرابات المستشرية في لبنان, فإذا كان من الصحيح أنه أمر ليس بهذه السهولة, إلا أنه لا يستعصي على الفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت