الإرهاب, العنف, الأزمات, الفوضى, الوحشية, المجازر والتشويه, والإعاقة الجسدية, هذا ما يتبادر إلى الذهن بمجرد ذكر لبنان, حتى ترادف اسم لبنان مع سفك الدماء مما خلف حزنًا عميقًا لدى كافة الذين عرفوه في الماضي, بل وحتى للذين لم يعرفوه سوى كبلد مزقه العنف, فلبنان حتى في أسوأ أوقاته, يتمتع بجاذبية أخاذة, بل لعلي أجزم أنه لا يوجد في الشرق الأوسط, وربما في العالم كله, بلد ساحر كلبنان فهو بتعقيداته السياسية والاجتماعية ومهارة مواطنيه في التعامل مع الأجانب والتلاعب بهم ومناخه الرائع ومأكولاته الشهية, يخلف لدى كافة الذين عرفوه سواء في أوقاته الهنيئة أم العصيبة شعورًا بالارتباط العاطفي من الصعب زحزحته, وتنهار أمام قدرته على الأخذ بمجامع القلوب مقاومة أشد الناس تطلبًا, واللقاء معه على مرارته الحلوة يبقى محفورًا في الذاكرة.
فتذكر لبنان يتخلل ويسيطر على أحاديث الدبلوماسيين والصحافيين ورجال الأعمال والأكاديميين من الذين قاموا بزيارته ولو مرة واحدة, هذا ما لاحظته في أيار وحزيران 1986 لدى لقائي بعدد من الذين زاروا لبنان سابقًا خلال زيارة قمت بها لإجراء أبحاث في مصر, فرغم أن الأحداث التي كانت تضج بها مصر وليبيا وإسرائيل وأماكن أخرى في الشرق الأوسط كان يجب أن تكون محور أحاديثنا, إلا أنه لم يكن يمضي سوى قليل من الوقت حتى نجد أن الكلام قد اتجه نحو لبنان, وأخذ القوم يروون حكايات ونوادر رهيبة أحيانًا, وفاتنة ساحرة في أحيان أخرى, ولاحظت أن توقعاتهم بالنسبة لمصير لبنان التي كانوا يدلون بها بين الفينة و الأخرى تعكس مدى اهتمامهم بما يجري في لبنان وقلقهم على مصيره, وكما لا بد أن يكون القارئ قد استنتج, فأنا أيضًا لم أنج من هذه الأعراض, لكني أثق بأن قارئ هذا الكتاب سوف يجد أن تجربتي في لبنان لم تمنعني من وصف وتحليل علله بتجرد وإخلاص.