فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 234

غير أن وحدة الحال هذه لم تزود المصادر الثلاثة بقدرة متساوية على الصمود والاستمرارية حيث انتهت الوجودية إلى الإفلاس بعد أن حققت رواجًا فلسفيًا وفكريًا؛ والسبب في ذلك أنها أكثر المصادر تطرفًا في الحد بين الذات والعالم الخارجي. فالسؤال الذي طرح نفسه بالنسبة للوجودية في الستينيات هو أنها غير مؤهلة للتعامل مع العالم الخارجي ومسؤولياته؛ لأنها لا تعتقد بوجود مسؤوليات للذات خارج ذاتها، وهذا تعبير عن فك الارتباط بين الذات والعالم الخارجي، وعلى حد تعبير جورج لوكاش، فإن الفلسفة الوجودية تؤدي في النهاية إلى انكماش الواقع وتقليصه؛ لأن الذات لا تستطيع أن تحقق ديناميكية النمو التي تتطلب بعدًا خارج ذاتها، أي بعد العالم الخارجي لتتفاعل معه، وتولد عن هذا التفاعل القدرة على النمو والتجديد ورفض الذات للعالم الخارجي جملة وتفصيلًا يفضي بنا إلى واقع فقير يقطع الأوصال.

وفي الستينيات، قامت البنيوية ربما على أنقاض الوجودية ونادت بأن الذي يتحكم في حياتنا بناء خفي لغوي يفوق استيعاب أي قدرة ذاتية. ويرجع تاريخ البنيوية إلى العالم السويسري ديسوسور الذي نظر إلى اللغة على أنها نظام إشارات. ومن رواد البنيوية العالم الأنثروبولوجي ليفي شتراوس والماركسي الثوسير. وقد ذاع صيت البنيوية على مدى عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي في مجملها محاولة لخلق منظور علمي للثقافة والمجتمع، يتخطى حدود الدراسات الإنسانية التقليدية. لكن البنيوية لم تعمر طويلًا لكثرة ما شابها من غموض، ولتطرفها في التركيز على نظام العالم الخارجي على حساب الذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت