الصفحة 16 من 560

وفي القرون الوسطى حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي كانت البحوث اللغوية في أوربا محصورة في دائرة الاهتمام باللغتين اليونانية واللاتينية.

وبعد اكتشاف اللغة السنسكريتية وحلِّ رموزها عام 1786م على يد (سير وليم جونز) الذي كان يعمل قاضيًا في المحكمة العليا بالبنغال _ تبين للباحثين وجود علاقة بين هذه اللغة وبين اليونانية واللاتينية؛ فوجهوا اهتمامهم إلى دراسة أوجه الشبه بين هذه اللغات على ضوء المنهج المقارن، وإلى البحث عن تقسيمات للغات العالم، ومحاولة الوصول لِلغَّة الأولى.

وقد نادى طائفة من علماء اللغة الأوربيين بإهمال البحث في الغيبيات _ أي في مسألة نشأة اللغة ونحو ذلك _ والاتجاه إلى دراسة اللغة في ذاتها؛ فنشأ ما سمي بـ: (علم اللغة الحديث) وتحددت مناهجه، ومباحثه.

أما العرب فلم يُؤْثَرْ عنهم قبل الإسلام إلا عنايتهم بالشعر، والخطابة، وقد حفظوا لغتهم من التغيير؛ فعدُّوا الخطأ فيها عيبًا يُتعيَّر به، وشهَّروا بأصحاب الفهاهة واللثغة، وأعلنوا بدائع شعرهم وخطبهم في أسواقهم المشهورة أيام مواسم الحج، فكان عِلْمُهُمُ الحقُّ هو أدبَ لُغَتِهم، وهو علمهم العقلي الوحيد؛ فلم يعنوا بجمع اللغة، أو التأليف فيها (1) .

وإنما بدأ اهتمامهم باللغة وعلومها بعد ظهور الإسلام، وأقدم ما روي عنهم في ذلك محاولات تفسير غريب القرآن كتلك المسائل التي دارت في فناء المسجد الحرام بين عبدالله بن عباس _ رضي الله عنهما _ ونافع ابن الأزرق كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه (الإتقان) (2) .

وكذلك ما كان من أولى محاولات وضع النحو التي تنسب لأبي الأسود الدؤلي كما ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست (3) .

(1) _ انظر أليس الصبح بقريب للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ص21.

(2) _ الإتقان 1/120.

(3) _ ص46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت