مرَّةً قال لي مدرِّس: إن ابنه طلب إليه أن يكتب له موضوعًا في التعبير، والأب أستاذٌ في اللغة العربية، وابنه في صفٍ انتقالي، وليس شيءٌ أهون على الأب من أن يمسك القلم، ويكتب هذا الموضوع في خمس دقائق ليأخذ ابنه غدًا علامةً تامَّة، ولكن هذا الأب رفض هذا الطلب، لا لشيء إلا لأن هذا العمل لا يجدي، ولا يرفع مستوى ابنه في اللغة ولا شعرة .. أما إذا كتب الابن الموضوع، وارتكب أغلاطًا كثيرة، وصُحِّحت له فقد يرقى أسلوبه، فحينما يمتنع الأبُ عن كتابة هذا الموضوع لابنه فلا يعني هذا أنه لا يستطيع، حاشا لله، ولا يعني هذا أنه لا يريد نفعه، إنه يستطيع، ويريد نفع ابنه، ولكنَّه لعلمه وخبرته وحكمته رأى أن كتابة هذا الموضوع لابنه من دون أن يبذل الابن جهدًا لا يجدي إطلاقًا في رفع مستواه اللُغوي.
إذا أردت أن أعقِّب مرَّةً رابعة على هذه الآية: أي أن الله سبحانه وتعالى حينما لم يسيِّر جبال مكَّة بهذا الكتاب، ولم تقطَّع به الأرض، ولم يكلَّم به الموتى لا لأن الله لا يستطيع، حاشا له، ولا لأن الله لا يريد الهداية، إنه يستطيع ولو فعل ذلك لما اهتدوا بل زادهم هذا كفرًا، ولكنَّهم لو تأملوا وفكَّروا، واستقاموا وتقرَّبوا، وأصغوا واختاروا وأرادوا لاهتدوا، وهذا هو الطريق الذي رسمها الله سبحانه وتعالى لعباده كي يهتدوا إلى الله سبحانه وتعالى ..
{بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا}
الأمر كلُّه بيدِ الله، كن فيكون، زُل فيزول، تحريك الجبل بكلمة، وبحرٌ عظيم بكلمة واحدة صار طريقًا يبسًا ..
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي}
(سورة الشعراء)
سُراقَة بن مالك حينما تبع النبي ليقبض عليه، ويأخذ الجائزة غاصت قدما فرسه في الرمال، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كل شيء في الأرض على الله يسير.