وتوضيح هذه الفكرة بالمثال التالي: أحيانا هناك جامعة تطبع الكتب، ويلقي المدرِّسون المحاضرات، ولا تحاسب الطلاّب إلا في الامتحان الأخير، هناك طلابٌ يهملون، ويضيِّعون أوقاتهم، ولا يدركون مغبَّةَ إهمالهم، هؤلاء في نهاية العام يرسبون، وهناك جامعات تجري كلَّ أسبوع مذاكرات، وتحاسب الطلاب على غياب درس أو درسين، ودائما تتابع مراقبة الطلاب، وتقويم أعمالهم، وأغلب الظن أن نسبة النجاح في مثل هذه الجامعات مرتفعة جدًّا، إذا غاب عن حصَّة مرةً أو مرتين أو ثلاثًا يفصل، و كلُّ أسبوع هناك مذاكرة، وتقيَّم علاماته، ويُخبَر بعلاماته، ويُوجَّه له إنذار، وربُّنا عز وجل أعطانا حرِّية الاختيار، ولو أنه تركنا وشأننا، ومن دون تربية، ومن دون معالجة، ومن دون متابعة، ومن دون محاسبة لهلك معظم الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى مع أنه أعطانا حرية الاختيار، ومع أنه وهبنا هذا العقل والتفكير، ومع أنه أنزل الكتب السماوية، ومع أنه أرسل الرسل فإنه لم يدعنا وشأننا، بل يربِّينا، والتربية على نوعين؛ تربية جسمية، أن يمدَّنا بكل ما نحتاج إليه من هواء وماء، و طعام و شراب، و نساء و بنين، و حاجات و معادن، و طاقة وشمس وقمر، وكلما انحرفت نفوسنا يقوِّم اعوجاجها، وكلما نسيت يذكِّرها، وكلما غفلت يوقظها، و كلما قصَّرت يدفعها، و كلما تاهت يرشدها، و كلما ضلَّت يهديها، قال تعالى:
{ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) }
(سورة غافر: من الآية 64)
تأكيدا لهذه المعاني من أن الله سبحانه هو ربُّ العالمين، بمعنى أنه يربِّي أجسامنا، ويربِّي نفوسنا، وبمعنى أننا مخيَّرون، فإن اخترنا شيئا مناسبا شجَّعنا عليه، وإن اخترنا شيئا غير مناسب عالجنا، و أدبنا، و ضيق علينا، و أرشدنا إلى الطريق الصحيح.
الآيات التي تؤكِّد هذا كثيرة، قال تعالى: