فإذا أجريت موازنةً بين دار السلام، لماذا سمَّاها الله دار السلام؟ لأن في الجنَّة سلامٌ في سلام، لا نغص، ولا همَّ، لا يمكن أن تخلو حياة الإنسان من منغصات، فإذا مرض ابنه تجد أنه شعر بضيق، وكذلك إذا كان له تعويض في دائرة عمله، وصدر قرار بإلغائه، أو إذا كان يدخل عليه ألف ليرة فوق راتبه وتوقف صرف الألف له، وصعب عليه أن يدبِّر معيشته بالراتب فقط، شعر بضيق، وكذلك إذا كان في منصب مرموق فشعر بمن ينافسه عليه، ولن يتركوه في المنصب فإنه يحس بضيق يملأ عليه نفسه، عَمِلَ تخطيطًا لقلبه فوجد فيه تسرُّعًا، فإنه يشعر بضيق كذلك إذا عمل فحص دم فوجد أن هناك مادَّة مرتفعة عن حد المعدل فيشعر بالضيق، إذا كان ساكنا في بيت فظهر أنه مُعرّض للاستيلاء عليه من قِبَل المحافظة فهذه مشكلة تملأ حياته كدرًا وهمًّا، أي أن الحياة كلها متاعب، إما من طرف البيت، و إما من طرف الصحَّة، وإما من طرف الزوجة، وإما من طرف الأولاد، وإذا كان له قريب يمدَّه ببعض الحاجات فتوفي هذا القريب، وانقطع رفد ذلك القريب إنها مشكلة، وهكذا الحياة كلها ضيق وتعب، ورحم الله القائل:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب ... إلا من راغبٍ في ازدياد
(( إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ) )ـ لأن الرخاء مؤقَّت .. إذا ركب رجلٌ أفخر سيَّارة لينقلوه إلى المشنقة فهل يفرح بمقاعدها؟ يقول: انظروا إلى المقعد ما أجمله! أي مقعد هذا؟! يكون أحمق إذا فرح فيها .. (( لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء ـ كذلك الشقاء مؤقَّت ـ هذه الدنيا قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ) ).
[ورد في الأثر]