أي أتعجب أن يوجِّه الأبُ الذي ينطوي قلبه على محبَّةٍ لابنه نصيحةً لابنه؟! أتعجب أن تخاف الأمُ على مصير ابنها؟! طبيعتها هكذا، أتعجب أن تحرص الأم على نجاح ابنها؟! أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وتركهم هكذا؟ أهكذا ظنُّكم؟ أتعجبون أنْ أَكَرم اللهُ بني البشر برسولٍ منهم يبيّن لهم ما يفعلونه، فهذه الآية دقيقة جدًا، فمن يعجبْ كيف يرسل الله سبحانه وتعالى رسولًا فهذا ينكر رحمته، ينكر حكمته من خلقه، ينكر الآخرة، فلذلك:
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ}
نقف عند كلٍ كلمة:
{رَجُلٍ مِنْهُمْ}
2 ـ الأنبياء والرسل من الرجال حتى يكونوا حجة على الناس:
هذه لها بحث طويل، ما جعل الله نبيًَّا مَلَكًا، لو كان مَلَكًا لقال الناس: أخي هذا مَلَك، أما أنا فإنسان من لحمٍ ودم، أنا فيَّ شهوات، هذا مَلك، لكانت الحجَّة مع البشر، لكن حيث أن هذا النبي الكريم بشر من لحمٍ ودم أودَعَ الله فيه الشهوة كما أودعها فينا، لكنَّه ضبطها، أودع فيه حبَّ المال كما أودعه فينا، لكنَّه جعل المال في خدمة الخَلْق، أودع فيه حبَّ العلو كما أودعه فينا، ولكنَّه ارتفع بأخلاقه العُليا، لا يمكن أن يكون النبي إلا بشرًا، ولو كان مَلَكًا لما اهتدى به أحدٌ من الخلق، يقول: أخي هذا مَلَك وأنا بشر، ظروف صعبة، النبي الكريم خاض حروبًا، واجَهَ معارضات، واجه كفَّارًا، وتآمروا عليه، وتآمروا على قتله وثبت، وقال: (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) ).
[السيرة النبوية]
لا يمكن أن تقوم الحجَّة إلا إذا كان النبي بشرًا.