الآية الكريمة: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} ، الآن رأوا الانتصار هؤلاء الذين تخلفوا، رأوا الغنائم، طاب لهم أن يشاركوا مرة ثانية، فجاء المنع الإلهي: {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ} ، لن تفيد النفي مع التأبيد، {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} ، ما الفرق بينهما؟ {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} ، إذا خرجنا لملاقاة العدو خارج المدينة، فلو جاء العدو إلى المدينة أيضًا ممنوعون أن يقاتلوا مع النبي الكريم، لا إذا غادرنا ولا إذا هوجمنا، {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} ، لأن أصل الجهاد عقيدة صحيحة، أصل الجهاد رغبة في العمل الصالح، وكل شيء لا ينبع من داخل الإنسان لا قيمة له، الإنسان قيمته في عمله الصالح، وقيمة العمل الصالح في الإخلاص، الإخلاص هذا العمل ينبع من ذاتك، ينبع من اختيارك.
لذلك الله عز وجل هو خالقنا، ومربينا، وإلهنا، ومسيرنا، ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة إكراه، قال:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}
[سورة البقرة الآية: 256]
أرادنا أن نأتيه عن حب، عن إخلاص، أرادنا أن نأتيه بمبادرة منا، فلذلك هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله ولم يجاهدوا، وآثروا بيوتهم، والظل الظليل، والماء البارد، والراحة، وقدموا اعتذارات كثيرة للنبي الكريم، والنبي في أيام الحر الشديدة، في الصيف، والصحراء كلكم يعلم ما معنى الصحراء، ما مستوى الحر فيها، والمسافة بعيدة جدًا.
{بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ}
[سورة التوبة الآية: 42]
والعدو قوي جدًا، الروم، فآثروا البقاء في بيوتهم، ومع أهلهم، وفي بساتينهم، هؤلاء الذين تخلفوا محيت أسماؤهم من قائمة المجاهدين.
{فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} ، لا إذا خرجنا للقتال، ولا إذا واجهنا العدو في بلدنا.