فلذلك البراءة تعني أنه كان هناك عهدًا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، المشركون نقضوا هذا العهد، فلا معنى أن يستمسك المسلمون بهذه البنود، من السذاجة والخطأ أن يبقى المسلمون مستمسكين بهذا العهد، لذلك جاءت البراءة من الاستمساك بهذا العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، هذه البراءة لم تأتِ من إنسان، بل جاءت من الواحد الديان، {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، أي البراءة بسبب أمر إلهي بلغها النبي {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} للتوضيح: فلان برأ من الدَّين؛ كان الدائن ممسكًا به، فلما أدى الدَّين أطلقه، برأ من المرض؛ كان المرض ممسكًا بهذا الإنسان، أقعده في الفراش، ترك عمله، فلما شفي هذا المريض انطلق إلى عمله، فبرأ أي خرج من هذا القيد، كان المرض قيدًا، وكان الدَّين قيدًا، فالبراءة خروج من هذا القيد.
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام قد عاهد قريشًا، وعاهد اليهود ولم يوفِ هؤلاء بعهدهم، لذلك كان لزامًا أن تنقض هذه العهود، وقد يقول قائل والسؤال وجيه: النبي عليه الصلاة والسلام فتح مكة في العام الثامن للهجرة، وجاءت هذه البراءة في العام التاسع، فالسائل يسأل: لِمَ تأخرت البراءة من هذه العهود عن عام الفتح؟ هناك من أجاب فقال: النبي عليه الصلاة والسلام حرر المكان أولًا بفتح مكة، وتكسير الأصنام، وعبادة الواحد الديان، وفي العام التاسع حرر القاطنين بمكة من هذه العهود التي هم نقضوها بالأساس.
لكن العبرة أن الحياة أحيانًا تختلط فيها الأوراق، والاختلاط خطير جدًا، أي أوراق المؤمنين مختلطة مع أوراق الكفار، مع أوراق المشركين، مع أوراق المنافقين، فالبطولة أن يتمايز كل فريق على حدة.