أيها الأخوة الكرام، في موضوع غزوة بدر، كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار لأصحابه مكانًا مناسبًا في هذه الغزوة، فجاء صحابي جليل اسمه الحُباب بن المنذر ـ أنا ما رأيت قصة لها دلالات كهذه القصة ـ قال له: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله أم هو الرأي والمشورة؟ إذا كان وحيًا لا أتكلم ولا كلمة، أما إذا كان اجتهادًا لي كلام، لكن حكمة الله المطلقة أن الله حجب عن نبيه الموقع المناسب، حجبه عنه وحيًا، وحجبه عنه اجتهادًا، وحجبه عنه إلهامًا، فجاء هذا الصحابي بأدب جمٍّ قال له: يا رسول الله هذا المكان وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ قال له: هو الرأي والمشورة، قال له: والله يا رسول الله ليس بموقع، أي هذا الموقع غير مناسب، النبي الكريم ببساطة وبعفوية وبمودة قال له: أين الموقع المناسب؟ أشار له إلى موقع آخر، فأعطى النبي أمرًا لأصحابه أن ينتقلوا إلى هذا الموقع ـ القصة دقيقة جدًا ومعبرة جدًا ـ القصة تعني أن النبي معصوم من أن يخطئ في أفعاله، وأقواله، وإقراره، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة حجب الله عنه الموقع المناسب، حجبه وحيًا، وحجبه إلهامًا، وحجبه اجتهادًا، فكان هذا الموقع الذي اختاره لم يعجب هذا الصحابي، هذا الصحابي من شدة أدبه قبل أن يدلي برأيه قال له: هذا الموضع وحي أم رأي؟ فإن كان وحيًا لا أتكلم و لا كلمة، وإن كان رأيًا أنصح، الآن النبي معصوم.
إلا أن فضيلة واحدةً لا يمكن أن تبدو منه، فضيلة الرجوع إلى الصواب، هو معصوم، فكيف يظهر بهذه المكرمة؟ وهذه الفضيلة؟ لا بد أن يحجب عنه الموضع المناسب وحيًا، وإلهامًا، واجتهادًا، ويأتي صحابي مؤدب جدًا ويسأله؟ يجيبه أن هذا الرأي والمشورة، يقول له: ليس بموقع.