بيَّنت لكم في الدرس الماضي ـ وهو مركز ثِقَلٍ في هذا الدرس ـ أن مشيئة الله شاءت أن يكون لكل شيءٍ سبب، نظام الكون أساسه السببيَّة، بل إن عقل الإنسان بُنِيَ على نظام السببيَّة، أنت لا تفهم شيئًا بلا سبب، كما أنك لا تفهم شيئًا بلا هدف، كما أنك لا تقبل التناقض هذا هو العقل، العقل جهاز مَعرفي، جهاز إدراكي، لا يفهم إلا وفق هذه المبادئ، وقعت في دمشق مثلًا جريمة، واتُهِمْ بها إنسان، لو أثبت هذا الإنسان بالدليل اليقيني أنه كان في حلب فهو برئ، لأنه لا يُعْقَل أن يكون الإنسان في دمشق وحلب في وقتٍ واحد، هذا هو العقل، هو يرفض التناقض.
العقل يرفض أن يحدث شيء بلا سبب، إنسان يغادر منزله ويغلق أبواب البيت ويطفئ الكهرباء، فإذا رجع بعد أيَّام ووجد أن الكهرباء متألِّقة لماذا يضَّطرب؟ لماذا ينفعل؟ لماذا يقلق؟ لو أنه عندما عبَّر عن قلقه قالت له زوجته: أطفئ المصابيح وأطفأها، لما انتهى مصدر قلقه لأن القضيَّة أخطر من ذلك، القضية من دخل إلى البيت في غيابنا؟ لا يقبل أن تتألَّق المصابيح من دون فاعل، هذا هو العقل، العقل لا يقبل شيئًا من دون سبب، لا يقبل شيئًا من دون هدف.
أساس نظام عقل الإنسان السببيَّة:
يرى الإنسان أحيانًا ظواهر لا تعنيه، ولا تتصل بحياته إطلاقًا، ولا تتعلَّق بكل مصالحه؛ فقد تجد شاحنة تحمل وقودًا سائلًا، وتجر سلسلة من الحديد وراءها، لماذا؟ أنت موظَّف ليس لك علاقة بالنفط إطلاقًا، ولا بالشاحنات، ولا بالميكانيك، لماذا تبحث عن العلَّة وعن الهدف؟ فإذا قيل لك: هذه من أجل أن تفرِّغ الصواعق، قد تأتي صاعقة فتحرق هذه المركبة، فإذا كان لها اتصال مع الأرض تُفَرَّغ هذه الصاعقة دون أن تتأذَّى المركبة، فالآن فُهِم الشيء، الإنسان أحيانًا تحل مشكلته الماديَّة، لكن لا تحل مشكلته العقليَّة.