كنت في بلد إسلامي، ودخلت إلى أضخم مسجد في إفريقيا، الذي أشاد هذا المسجد يقترب من الحرم النبوي، الذي أشاد هذا المسجد استقبلني، وقال لي: كنت في سجن الفرنسيين وقت الاستعمار، ورأيت التعذيب بعيني، أقسم لي بالله، قال لي: لم أحرك شفتاي، لكنني أضمرت، إذا أنجاني الله من هذا البلاء سأبني له أضخم مسجد،
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}
أنت لا تحتاج إلى صوت مرتفع، أحيانا تجد الدعاء بالمنبر، ادعوه همسًا، ادعوه سرًا، لا تحرك شفتيك،
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا}
أحيانا تكون في ظرف لا تستطيع أن تتكلم، فقل بقلبك: يا رب نجيني، يا رب، ليس لي إلا أنت.
لما جاء الحجاج بالحسن البصري ليقطع رأسه لما دخل، رأى السياف واقفًا واضح وضوح الشمس جاء ليقتل، حرك شفتيه، لم يفهم أحد ما قال، فإذا بالحجاج يقف له جاء ليقتله وقف له؟! يقول: أهلًا بابي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يقربه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه، وأكرمه، وعطره، وضيفه، وشيعه إلى باب القصر السياف صُعق، لماذا جيء بي؟! جيء به لأقتله، الحاجب صُعق، تبعه الحاجب قال: يا أبا سعيد، ماذا قلت بربك؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي بردًا وسلامًا، كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
لا تحتاج إلى صوت مرتفع، ولا إلى فصاحة، ولا إلى سجع، ولا إلى كلمات رنانة.
هناك إخوة كثر يقولون: ما الدعاء المرغوب؟ قل: ادعوه باللغة العامية، يا رب ما لي غيرك، يقبله منك يريد الله يقربك، يريد قلبك، يريد التفاتك، يريد تضرعك، يريد تذللك يريد قربك.
لذلك أيها الإخوة،
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}
بلا فصاحة زائدة، والمتنطعون المتفيقهون الذين يدعون دعاء بصوت عالٍ جدًا بتنسق، بسجع، هذا مصنوع ما فيه حرارة الدعاء والإخلاص.