إذا ذهبت إلى بلد من البلدان، وليكن إلى بلد ساحلي، ورأيت صخرة مشهورة في هذا البلد، ولتكن صخرة الروشة في بيروت، رأيتها بأم عينك، بعد بضع سنوات رأيت صورة لهذه الصخرة، تقول: نعم كنت في هذا المكان، ما معنى ذكرى؟ إنه شيء رأيته، شيء تعرفه، لكن هذه الصورة ذكرتك به، شيء رأيته، شيء تعرفه، لكن هذه الصورة ذكرتك به.
فلذلك الله عز وجل حينما خلق النفوس قبل أن تصور، خلقها في عالم الأزل خلقها في عالم الذر، هذه النفوس التي خلقها ماذا قال لها؟
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}
(سورة الأعراف الآية:172)
هذا عالم الأزل، هذا عالم الذر، كل المخلوقات كانت نفوسًا مجردة من صورها،
{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}
هذا العهد جاء في العقل، وجاء في الفطرة، وجاء في رسالات السماء، فأنت مؤمن في أصل خلقك، أنت مؤمن في أصل فطرتك، أنت مؤمن بحسب مبادئ عقلك، أنت مؤمن بحسب ما أودع الله فيك من خصائص، أنت مؤمن فإذا جاءتك الدعوة إلى الله تتذكر.
لذلك أينما قرأت في القرآن الكريم كلمة وذكرى تعني أنك مؤمن بالفطرة، مؤمن بحسب مبادئ العقل، مؤمن بهذا العهد الذي عاهدت الله عليه في عالم الأزل، أنت مؤمن، فإذا جاءتك الرسالة، أو جاءك الهدى تتذكر العهد الذي قطعته على نفسك في عالم الأزل.
إذًا:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}
أيها الإخوة، إذًا:
{لِتُنذِرَ بِهِ}
المكذبين، الشاردين، الذين اختاروا الشهوة ولم يختاروا الآخرة، اختاروا حظوظ الدنيا، ولم يختاروا:
{مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}
(سورة القمر:55)