فالآية أيها الأخوة، تصف هؤلاء أنهم سماعون للكذب، والإنسان حينما يكذب يتوهم أنه يكسب، أو أنه يزداد في مكانه قوة، أو أنه يبعد نفسه عن قسوة أعدائه، هذه القواعد استنبطت من حركة الحياة، لكن الإنسان حينما يصدق، ولا يعبأ بهذه القوانين التي استنبطت، بل استنبطها الناس من حركة الحياة، ويعبأ بطاعة الله والإخلاص له، هذا الإنسان الصادق الذي أثار حفيظة من حوله بصدقه يخضعه الله لقانون لا يعلمه معظم الناس، إنه قانون العناية الإلهية، وقد ذكرت مرة أن أحد كبار التابعين، وهو الحسن البصري قام بأمانة التبيين التي كلف الله بها العلماء، وميز بعض النقاط السلبية في حياة الحَجاج، ولما بلغ الحجاج مقالة الحسن البصري غضب أشد الغضب، وأرغى، وأزبد، وقال لمن حوله: واللهِ يا جبناء لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، وكان قتل الرجل عند الحجاج أهون من قتل حشرة، جاء بالسياف، وجيء بالحسن البصري، فلما دخل على مجلسه، ورأى السياف مستعدًا لقطع رأسه، وأن النطع قد مد على الأرض حرك شفتيه، ولم يفهم أحد ماذا قال، فلما دخل على الحجاج وقف له، وقال: أهلًا بأبي سعيد، أنت يا أبا سعيد سيد العلماء، وما زال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره، واستفتاه في موضوع، وأكرمه، وضيفه، وشيعه إلى باب المجلس، الذي صعق السياف والحاجب، تبعه الحاجب، وقال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت وأنت داخل؟ قال: قلت: يا مؤنسي في وحشتي، يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليّ بردًا وسلامًا كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
المؤمن لا يكذب ولا يخون: