فهرس الكتاب

الصفحة 4318 من 22028

لذلك أيها الأخوة، العصور التي مرت بها البشرية متنوعة، ففي حقبة من الحقب كانت مبادئ الأمة الإسلامية هي التي تحكم، فلما جاء ملك الغساسنة إلى سيدنا عمر، وطاف حول الكعبة، وداس أعرابي من فزارة طرف ردائه، فانخلع عن كتفه، فالتفت نحوه، وضربه ضربةً هشمت أنفه، فهذا الإنسان اشتكى لسيدنا عمر، اشتكى على من؟ اشتكى على ملِك، سيدنا عمر جاء به، وصاغ بعض الشعراء المعاصرين هذا الحوار شعرًا، قال له عمر: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن يكتم شيئًا، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي. قال: أرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، مازال ظفرك عالقًا بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك. قال: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقة، وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضًا. فقال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحًا جديدًا، وتساوى الناس أحرارًا لدينا وعبيدًا. فقال جبلة: كان وهمًا ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. فقال: عنق المرتد بالسيف تجز، عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.

في هذه الحقبة كان أثمن شيء فيها المبدأ والآن نضحي بأكبر إنسان من أجل المبدأ، وها قد ضحى سيدنا عمر بجبلة وقد ارتد عن إسلامه وفر إلى بلاد الشام من أجل المبدأ.

في عصر آخر كان التركيز على شخص لا على مبدأ، فالحق ما نطق به، والباطل ما لم ينطق به، وإشارته توجيه، وحركته توجيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت