لكن أيها الأخوة، إن أحكام القتال دقيقة جدًا فلا بد أن يكون هناك تكافؤ نوعًا ما بين الفريقين، أما إذا كان أحد الفريقين صفرًا والثاني مليونًا فهذا ليس قتالًا ولكنه انتحار، لذلك أمر القتال لا يشرع إلا عن أولي الأمر، المسلمون في مكة مُنعوا أن يقاتلوا، تقتضي الحكمة ألا يقاتلوا، يقول الله عز وجل:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ}
متى يقال لإنسان: كف يدك؟ إذا مد يده، مع أن الظلم الذي كان في مكة لا يحتمل، الظلم، والقهر، والقسوة، والمقاطعة، والإفقار، والإذلال شيء لا يحتمل، ومع ذلك لو سمح الله جلت حكمته بالقتال في مكة لكانت حربًا أهلية تأكل الأخضر واليابس، ففي البيت الواحد شباب مؤمنون وشباب غير مؤمنين، ولانتقلت المعركة من بيت إلى بيت، ومن حي إلى حي، لكن حكمة الله جل جلاله تقتضي في مكة منع أن تمد يدك إلى الكافر، أو أن تقاتله، أما في المدينة فحينما كان هناك كيان للمؤمنين وقوة وقيادة سُمح للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقاتل الكفار والمشركين في المدينة، فلذلك أيها الأخوة، فيما أرى أن مشكلة المسلمين هذا الاندفاع غير المنضبط اندفاع عاطفي، فقد تندفع اندفاعًا عاطفيًا من دون تطبيق لمنهج الله، ومن دون تخطيط فقد تسبب الويلات للمسلمين، لعل الاندفاع العشوائي العاطفي يسبب فرحًا من قبل المؤمنين، ولكن قد تكون عواقب هذا الاندفاع خطيرة جدًا على مجموع المؤمنين، فليست العبرة بعمل فردي طارئ يعقبه ألم شديد، العبرة بهذا الشأن الخطير؛ أن نتبع منهج الله عز وجل، فالله عز وجل يقول:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ}