فأنت شاب ليس لك خيار في الموضوع، لا بدَّ أن تصبح كهلًا، ولا بدَّ أن تصبح شيخًا، بمعنى التقدُّم في السنّ، ولا بدَّ أن تدخل القبر، ولا بدَّ أن تُبعَث، ولا بدَّ أن تقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ولا بدَّ أن تحاسَب على أعمالك، تكون نطفةً، ثمَّ جنينًا، ثمَّ مولودًا، ثمَّ طفلًا، ثمَّ شابًا، ثمّ رجلًا، ثمَّ كهلًا، ثمَّ شيخًا، ثمَّ ميْتًا تحت التراب، ثمَّ مبعوثًا حيًا، ثمَّ واقفًا للحساب، ثمَّ إلى الجنّة أو إلى النار:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}
فلا بدَّ من أن تمروا بهذه المراحل، يقول لك الواحد باللغة الدارجة: بلمح البصر ولَّى الصيف، وبلمح البصر ولَّى الشتاء، فالإنسان يدخل الجامعة يستكثر الأربع سنوات، بلمح البصر انتهت الدراسة الجامعية، ثم هو قد تزوج، وجاء له أولاد، وزوجهم وأصبح جدًّا:
{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}
أي نحن نسير في اتجاه إجباري، وبسرعة ثابتة، ليس لنا خيار فيها، والأيام تدور، والسنوات تمر، والليل والنهار يُبلِيان كلَّ جديد، ويقربان كلَّ بعيد، والإنسان مجموعة أيام، كلَّما انقضى منه يومٌ انقضى جزءٌ منه:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}
حالًا بعد حال، وهذا تفسير أوّل.
وهناك تفسير آخر:
{طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}
أيضًا حالًا بعد حال، قد ينتقل المرء من الفقر إلى الغنى إذا كان شاكرًا، أو ينتقل من الغنى إلى الفقر، وقد ينتقل المرء من الرخاء إلى الشدة، أو من الشدة إلى الرخاء، ومن الصحة إلى المرض، أو من المرض إلى الصحة، أي كلُّ حالٍ يزول، فالإنسان لا يطمئن للدنيا، اليوم أنت شابّ وليس فيك من بأس، وفي خلال دقائق توقفت الحركة، وأصبح يحتاج إلى زحّافة، يريد من يحمله إلى المرحاض، أحيانًا يبكي: