أما من استغنى، أي أن المعرض لو التقى بالأنبياء جميعًا، ولو صعد إلى السماء فيرى كل شيء، ولو رأى ما بعد الموت، فلن يؤمن، والذي أراد الحقيقة دلَّتهُ بعرةٌ عليها، البعرة تدل على البعير، والأقدام تدل على المسير، والماء يدلُّ على الغدير، أفسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير؟ فإن أردت الحقيقة فأقل شيءٍ في الدنيا يدلك عليها، وإن لم تردها، لو كنت أكبر موظف في وكالة (ناسا) الفضائية، وترى كل يوم صور المجرات مما يذهل العقول ويبهرها فلن تؤمن. فالإنسان الذي لا يريد الحقيقة، وكان ذكيًا جدًا، مثله كمثل آلة تصوير غالية جدًا، ولكن ليس فيها فيلم، فكل هذه المناظر التي تلتقطها لا تُطْبَع فيها، والإنسان الصادق، ولو كان متواضعًا في ثقافته، أو في اطلاعه، مثله كمثل آلةٍ فيها فيلم، أيّ منظرٍ يطبعه عليها، إن أردت الحقيقة كل شيءٍ يدلُك عليها، وإن لمْ تردها لو التقيت مع الأنبياء جميعًا، ورأيت كل المعجزات، وصعدت إلى السماء فلن تؤمن، فالقضية قضية اختيار وقرار داخلي ..
{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى*فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}
أيضًا هذا وصْفٌ للنبي بأنه حريصٌ على هداية الخلق، فإذا التقى بقويٍ أو بزعيمٍ، فإذا اهتدى لعل مَن تبعه يهتدي، لكن الله عزَّ وجل لفت نظره إلى أن هذا لا خير فيه.
{وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}
يقول الله عزَّ وجل:
{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}
[سورة البقرة: 272]
والله تعالى يقول:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
[سورة القصص: 56]
أي أنك لا تستطيع أن تهدي إنسانًا ما أراد الهُدى، ثم إنك لست مسؤولًا عن هذا الذي لم يهتدِ:
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ}
[سورة الرعد: 40]
أما دعوتك فإنها حق ..
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
[سورة الشورى: 52]
دعوتك حق، ولكن لأن الإنسان مخيَّر، وهو حرٌ طليق، فليس بإمكانك يا محمد أن تجبر أحدًا على الهدى.