أيها الأخ الكريم ... إن هويتك الأساسية هي أنك المخلوق الذي قَبِلَ حمل الأمانة في حين أن السماوات والأرض أشفقتا من حملها، فإذا سما عقلك على شهوتك تفوَّقت على الملائكة، لأن الملائكة ليس عندها ما تغامر به، أما الإنسان ففيه نوازع أرضية وتطلعات سماوية، وفيه قبضة من تراب الأرض ونفخة من روح الله عزَّ وجل وهو بينهما، فحينما َقبل الإنسان حمل الأمانة كرَّمه الله أعظم تكريم؛ ومن أعظم أنواع التكريم أنه سخَّر له ما في السماوات والأرض جميعًا منه تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، ويا ليت الإنسان يعرف من هو؟ إنه إذا عرف ذاته فهم أنَّ كلَّ هذا الكون مسخرٌ له، كما أنه يفهم أن الله إذا أدَّبه إنما يؤدِّبَه من أجل أن يرجعه إليه وفي ذلك سعادته، فقد يظن الناس الجهلة أن موارد الأرض قليلة وأن هناك تفجُّرًا سكَّانيًا و مجاعات تنتظر أبناء الأرض، و هذا كلامٌ مضحك لأن الله عزَّ وجل إذا قنّن كان تقنينه تقنين تأديب لا تقنين عجز، فهو يؤدِّب هؤلاء الناس الذين خلقهم ليكونوا مخلوقات في الصف الأول فجعلوا أنفسهم في الصف الأخير، فقد سُخِّرت لهم السماوات والأرض فكانوا مسخَّرين لشهواتهم، أيها الأخ الكريم: إن الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لمن؟ أنت لله الواحد الديان، و لا يليق بك أن تكون لغير الله، ولا يليق بك أن تُحْسَب لغير الله، كما لا يليق بك أن تُجيّر طاقاتِك وتفني شبابك وتنفق عمرك لغير الله، فأنت لله، وقد خُلِقت لسعادةٍ أبدية.
مثال يوضح معنى (الأبد) :