لقد زرت مرة والد أحد أصدقائي، فقال لي بالضبط: (لقد عملت تحليل البارحة و طلع كله جيد) ، وعمره ست وتسعون سنة، وليس لديه مشكلة في التحليل، لا بالكولسترول، ولا بالأسيد أوريك، ولا بالشحوم الثلاثية، ولا بحمض البول، ولا بالسكر، لكنه مرة قال لي: والله يا أستاذ لا أعرف أني أكلت قرشًا حرامًا في حياتي، ولا أعرف الحرام الذي يعرفُه الناس إطلاقًا، لا أعرف الحرام ولا الدرهم الحرام، (حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكِبَر) .
إخواننا الكرام ... الناس يتشابهون في ربيع العمر .. فكلهم شباب .. أما في خريف العمر فهم يتمايزون، فربيع العمر يحدد خريف العمر، و إذا كان ربيع العمر في طاعة الله فإنه يحدد خريف العمر في تألق وبهاء، أما إذا كان في ربيع العمر انحراف وخطأ، فلا بد أن يكون في الخريف مشكلات ..
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
أي: يمتَّعك بمكانتك، فأحيانًا هناك الإنسان يَخْرَف، قال لي أخ: إننا نقوم بربط والدتي على ديوان، فنربط يديها فوق رأسها إلى طرف السرير، ورجليها إلى الطرف الآخر؟ قلت له لماذا؟ قال لي: لأنها تأكل غائطها وتخلع كل ثيابها.
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا}
(سورة الحج: آية"5")
فالإنسان إذا حفظ الله في الصغر حفظ الله عليه صحته وعقله ومكانته، والله لقد زرت إنسانًا في بلدة في الشمال وقد دعا إلى الله بإخلاص، وعمره خمس وتسعون سنة، والله ما رأيت ملكًا في عرشه كما رأيت هذا العالم .. لأنه حفظ الله في الصغر؛ فهو في مكانة، وله شخصية و منطق و أدب و محبة، وهو مخدوم محفوظ محسود، و كل الناس أمامه، فمن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة .. و من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة ..