فهرس الكتاب

الصفحة 20090 من 22028

افتراض:

وعلامة المؤمن أنه يرى أجله قريبًا و مجهِّزًا، وقد ضربت مرَّة مثلًا، وهو افتراضي وغير واقعي، ولكن قصدت منه فكرة دقيقة جدًا فقلت: افترض أن هناك بطاقة الطائرة إلى أمريكا بخمسمائة ألف، وقد قصدت هنا مضاعفة المبلغ خمس مرَّات، فجعلته خمسمائة ألف؛ أي: نصف مليون، وافترض أنَّك إن لم تسافر فلن تأخذ قيمتها إطلاقًا؛ أي: إنها ستضيع عليك .. وهذا افتراض ثان .. فأول افتراض هو مضاعفة قيمة البطاقة خمسة مرَّات، والافتراض الثاني هو أنك إن لم تسافر و تصعد إلى الطائرة خسرت قيمة البطاقة، وافترض أن الشركة الناقلة هي التي تأخذك من البيت، وأنها تأتي في حدود عشر ساعات؛ أي من الثامنة صباحًا حتى الثامنة مساءً، وأنها لا تنتظر إلا دقيقةً واحدة، والشركة الناقلة هي التي تأخذك من البيت، وتأتيك من الساعة الثامنة وحتى الساعة الثامنة مساءً .. وأنت لا تدري متى تأتي، وهي لا تنتظر إلا دقيقة واحدة، فماذا تفعل أنت من أجل مبلغ خمسمائة ألف؟ إنك تقف وراء الباب من الساعة الثامنة صباحًا، تقف مع المحفظة، وكل شيء جاهز، لأنك إن لم تكن جاهزًا فالقضية خطيرة جدًا، و هذا معنى قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

(سورة آل عمران)

الموت ليس بيدي يا رب بل بيدك، فإذا كان ليس بيدك فمعنى ذلك أنه ينبغي أن تكون مستعدًا له دائمًا؛ بأداء الحقوق، بالتوبة الكاملة، والعمل الصالح، وأداء الصلوات، وإنفاق زكاة المال، وهذا الاستعداد سببه أن الموت قريب، وإنك قد تجد شخصًا مِلء السمع والبصر فيصبح فجأةً خبرًا، وقد كان رجلًا فصار خبرًا على الجُدران، وكان رجل يركب الدرجة الأولى في الطائرة وتُقدَّم له أنواع الطعام من الشراب و الشاي و القهوة و أنواع الأطعمة الساخنة و المجلاَّت والجرائد، فيرجع بصندوق على أنه بضاعة وتوجد معه أوراق تخليص، فنحتاج إلى موظف جمركي ليخلِّص هذا الطرد، لقد كان رجلًا فصار بضاعةً!!

لقد ركبت مرَّة في الطائرة إلى المغرب، فانتظرنا في تونس ساعة، فنظرت إلى مكان البضاعة فخرج فجأةً نعش عليه اسم صاحبه .. سبحان الله .. هذا الرجل جاء بالطائرة وعاد بضاعةً ..

{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}

إخواننا الكرام ... لا تتشاءموا لأن التفكّر بالموت صحَّة نفسية، فأَكْثِر من ذكره لأن هذا الموت ما ذُكِر في كثيرٍ إلا قلَّله، ولا في قليلٍ إلا كثَّره .. وله مفعول عكسي .. فإذا كنت في غنىً فاحش فلن تأخذ معك شيئًا مما تملكه إلا الكفن، وإذا كنت في فقرٍ مدقع وكنت مستقيمًا على أمر الله فالموت بداية الغنى المطلَق،"الغنى والفقر بعد العرض على الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت