سمي يوم القيامة بالحاقة لأن الأمور تَحِقُّ في هذا اليوم؛ أي: تستقر، فهناك أشياء باطلة و كاذبة ومزوَّرة وطاغية، فكل شيءٍ في هذا اليوم يعود إلى وضعه الطبيعي، ويستقرّ على حجمه الطبيعي و قيمته الحقيقية؛ فهناك من يعلو، وهناك من يخفض، و هناك من يَقْوى، و هناك من يضعف، و هناك من يغتني، و هناك من يفتقر، فتستقر حركة الناس التي كانت في الحياة الدنيا استقرارًا دقيقًا، و كل إنسانٍ منهم يُعطى حجمه الحقيقي، و يٌقيِّم عمله تقييمًا صحيحًا، و سُمِّيَت الحاقة لأن الأمور تَحِقُّ فيها، أي تستقر ..
لقد ضربت ُّمرَّةً لكم مثلًا فقلت: هناك كرةٌ في بعض جوانب جدرانها قطعةٌ من الرصاص، فمهما دحرجت هذه الكرة لا تستقر إلا إذا كانت قطعة الرصاص في الأسفل، لأن هذا هو الوضع الطبيعي، والإنسان كذلك قد يعلو بغير حق، و قد يغتني و يَقْوَى بغير حق، كما قد يضعُف من دون سبب، وقد يفتقر لأنه أطاع الله عزَّ وجل، فالدنيا دار ابتلاء، و عمل وامتحان و تكليف، و ربنا عزَّ وجل يقول:
{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
(سورة الإسراء: آية"21")
قد تجد إنسانًا في الدنيا يملك ألوف الملايين، وقد تجد مائة مليون إنسان لا يملكون درهمًا واحدًا، كما قد تجد في الدنيا إنسانًا قويًا جدًا، يستطيع بحركةٍ وإشارةٍ منه أن يفدي آلافًا مؤلَّفة، وقد تجد إنسانًا ضعيفًا لا يستطيع أن يغضّ بصره أو أن يحدَّ النظر في شيء، ففي الدنيا يوجد القوي و الضعيف، و الغني و الفقير، و الوسيم و الدميم، والصحيح والمريض، وذلك لأن الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء ..
{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}
أيها الأخ الكريم ... أنت ممتحنٌ في الدنيا، وأنت ممتحنٌ مرَّتين؛ والامتحان الأول هو فيما أعطاك، والثاني هو فيما سلب منك، فأنت ممتحنٌ إذا كنت قويًا، وممتحنٌ إذا كنت ضعيفًا، و ممتحنً إذا كنت غنيًا، وممتحنٌ إذا كنت فقيرًا ..