و الخط البياني للمؤمن - كما أقول دائمًا - صاعد صعودًا مستمرًا، بينما قد يصعد الخط البياني لغير المؤمن صعودًا حادًا ليسقط سقوطًا مريعًا، فالعبرة أن تكون في طاعة الله والدنيا لا تقدم ولا تؤخِّر، فأصحاب النبي رضوان الله عليهم، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، و الغنى والفقر، و الصحة والمرض، و في إقبال الدنيا و إدبارها ..
فبعد أن ذكر الله عزَّ وجل أصحاب الجنة الذين تحدَّثنا عن قصتهم في الدرس الماضي وكيف أنهم أرادوا أن يمنعوا حق الفقير، فأصاب الله سبحانه وتعالى محاصيلهم بالبوار وأتلفها، فندموا على ما فعلوه، بعد ذلك يحدثنا ربنا سبحانه وتعالى عن أهل الجنة قائلًا:
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
فنعيم هذه الجنة خالد إلى أبد الآبدين، فهل يمكن لعاقل أن يُضحّي بها ويعرض عنها؟ أيطمع الإنسان بسنواتٍ معدودة مشحونةٍ بالمتاعب، ويضحي بالآخرة الأبدية؟! هذا قول الله خالق الأكوان، فأنت - أيها الأخ الكريم - قد تصدّق إنسانًا قويًا يفعل ما يقول، فتأتمر بأمره وتنتهي عما ينهى، أفلا تصدّق ربنا جلَّ جلاله وهو خالق السماوات والأرض؟ أفلا تصدقه وهو يقول إن بعد هذه الحياة حياة أبدية فإما جنةٍ يدوم نعيمها، أو نارٍ لا ينفد عذابها، لقد قال الإمام الغزالي حينما خاطب نفسه:"يا نفس لو أن طبيبًا منعكِ من أكلةً تحبينها فلا شك أنك تمتنعين".. وكل واحدٍ منا لو شكا من بعض أعضائه وجعًا، فمنعه طبيب حاذق ورع من أكلةٍ معينة أو من شيءٍ كان يفعله، لتركه فورًا حفاظًا على صحَّته .. وهنا يقول الإمام الغزال: يا نفس لو أن طبيبًا منعكِ من أكلةً تحبينها فلا شك أنك تمتنعين .. دققوا في هذا القول:"أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذًا ما أكفرك!!".. أيعقل أن تصدق الطبيب وتأتمرُ بأمره وتنتهي عما نهاك عنه لأنه عندك صادقٌ أمين، ثم ينهاك خالق السماوات والأرض عن أشياء ويأمرك بأشياء، ويعدك بالجنة ويحذرك من النار ثم لا تأتمر؟ .. أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ فما أكفرك إذا فعلت ذلك، ثم يقول:"أيكون وعيد الطبيب أشد عندكِ من وعيد الله؟ إذًا ما أجهلكِ". فالإمام الغزالي يرى أن الذي يقترف معصيةً هو عند الله قطعًا كافرٌ وجاهل ..
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}