بين الفطرة والكسب:
أيها الإخوة الكرام ... هناك نقطةٌ دقيقةٌ جدًا في موضوع ثناء الله عزَّ وجل على نبيِّه الكريم بأنه ذو خلقٍ عظيم لم تذكر في الدرس الماضي وهي: أن الإنسان لا يتقرَّب إلى الله إلا بما هو كسبي، أما ما هو فطري فلا يتقرب به إلى الله عزَّ وجل فمثلًا: لقد أودع الله في قلب كل أم محبَّة أبنائها، فالأمَّهات جميعًا في الأعمّ الأغلب يحببن أولادهُن، لكن الرحمة
التي تتقرّب بها إلى الله هي الرحمةٌ العامّة؛ وهي أن ترحم جميع الخلق، أن ترحم كل الأولاد وكل الناس الذين من حولك، فالشيء الفطري لا يمكن أن تتقرَّب به إلى الله لأنه من عند الله فلو أن هناك مخلوقًَا مثلًا يرى ثمانية أضعاف الإنسان، فهل يعقل أن يكون هذا المخلوق أقرب إلى الله من الإنسان؟ إن الله هو الذي أعطاه هذه القدرة على الرؤية، ولو أن هناك مخلوقًا له قدرة على الشم تفوق قدرة شمّ الإنسان بمليون ضعف، فهل يعدّ هذا أقرب إلى الله؟ لا لقد أردت من هذين المثلين أن أَنْفُذَ إلى السؤال الآتي: لماذا حين أراد ربنا جلَّ جلاله أن يثني على النبي عليه الصلاة والسلام لم يثن على علمه، ولا على اجتهاده، ولا على خطابته ولا على قيادته، ولكنه أثنى على خُلُقه؟
الخُلُق أيها الإخوة بتعريفٍ جامعٍ مانع هو ضبط الذَّات، وأي أمرٍ إلهي يحتاج إلى الصبر، فالصلاة تحتاج إلى صبر لأن الاستلقاء (أريح) أكثر راحةً للجسم من الصلاة، فصلاة الفجر قبل الشمس تحتاج إلى صبر، و الصوم أيضًا يحتاج إلى صبر، و الحج يحتاج إلى صبر، كما أن غضّ البصر و ضبط اللسان و الأذن يحتاج إلى صبر، و البيع والشراء كذلك، فوقوع البيع والشراء وفق منهج الله عزَّ وجل تمامًا أمر يحتاج إلى صبر، و أن يكون احتفالك وفق منهج الله أمر يحتاج إلى صبر، فأساس الأخلاق ضبط الذَّات، وأساس ضعف الأخلاق التفلّت من الضبط، فالضبط شيء كسبي، أي أن الله عزَّ وجل أودع في الإنسان الشهوات، فهذا الإنسان حينما يخاف مقام ربّه ينهى نفسه عن شهواتها، فهذا شيء كسبي يُرقّي الإنسان ويقربه من الله، و هذا هو الخُلُق، فبالخُلُق نرقى إلى الله، أما الذي أُوتي قدرات معينة فتفوّق بها، فالتفوّق بهذه القدرات لا يقرّبه إلى الله.