هذه هي ميزة العقل، فالعقل يمكن أن يرى دُخانًا فيقول: لا دخان بلا نار، و العقل يحكم على وجود النار من خلال الدخان، ويحكم على وجود التيَّار من خلال المصابيح و تكبير الصوت، ويحكم أن هناك مركبةً مرَّت من آثار عجلاتها، ويحكم بوجود التهابٍ من ارتفاع الحرارة، هذا هو العقل له مهمة استدلالية على شيءٌ غابت عينه وبقيت آثاره، فمن خلال آثاره تتعرف إليه، هذا هو الإيمان بالغيب، فأنت لم تر النار لكنك رأيت الدخان فحكمت بأنه لا دخان بلا نار فقلت: لا بدَّ من وجود النار ..
أقول هذا الكلام بدقةٍ بالغة: العقل البشري في هذا المستوى يُبْدِع ويحقق أعلى الغايات، فحينما تفكر في الأثر وتستخدم العقل ترى من خلاله المؤثِّر، و حينما تفكر في النظام ترى المُنَظِّم، و حينما تفكر في الخلق ترى الخالق، و حينما تفكر في التسيير ترى المسيّر، كذلك حينما تفكر في الحكمة ترى الحكيم، و حينما تفكر في القوة ترى القوي، هذا هو مجال العقل.
إخواننا الكرام ... أريد أن أضيف لكم حقيقة أخرى وهي أن العقل محدود الإمكانيات، بمعنى أن العقل لا يستطيع أن يبحث عن شيءٍ غابت عينه وآثاره هذا مستحيل بالنسبة له، لذلك كان من أكبر الضلالات وأعظم المتاهات، وأكبر المُنزلقات أن تأتي بعقلك وتُسَلِّطه على موضوعٍ غيبيٍّ ذاتًا وآثارًا، فعقلك لا يمكن أن يصل إلى معرفة الجن مثلًا لأن الجن لا تمكن رؤيتهم.
{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}
(سورة الأعراف: آية"27")
الملائكة كذلك .. لن تستطيع أن تؤمن بهم بعقلك، لأنهم ليس لهم آثار، كذلك اليوم الآخر، والماضي السحيق، و نشأة العالَم، وغير ذلك الكثير من الأشياء التي غابت آثارها، فلا يستطيع العقل أن يفعل شيئًا إزاءها، لذلك قد تزل قدم الإنسان ويضل حينما يأخذ قضيةٌ غيبيةً مطلقة، أي غيبية ذاتًا وآثارًا ويعرضها على العقل فالعقل هنا ينحرف ويتخبَّط ويأتي بأفكار مضحكة ..
مثال توضيحي: