أما هذه الآية فمن نوع ثالث، الذي قالوه حق: إنه رسول الله، كلمة حق، لكنهم لا يعتقدون بها، هم كذبوا على أنفسهم، كاذبون فيما بينهم وبين أنفسهم، لذلك أحيانًا - لا سمح الله - قد تقول كلامًا غير صحيح لكنك تعتقده، نقول: فلانٌ صادقٌ مع نفسه، أما علاقة هذا القول مع الواقع فغير صحيحة، هذا القول في علاقته مع الواقع كذب، أما في علاقته مع القائل فصدق، هذا صادقٌ مع نفسه، وقد تقول كلامًا صحيحًا مطابقًا للواقع، لكنك لا تعتقده، نقول: هذا كاذبٌ مع نفسه، فهناك صدقٌ في الأقوال وكذبٌ في الأقوال، أي علاقة الخبر بالواقع، وهناك صدقٌ في الأفعال وكذبٌ في الأفعال، أي علاقة الواقع مع الخبر، وهناك صدقٌ مع النفس وكذبٌ مع النفس، قد تقول قولًا غير صحيح لا علاقة له بالواقع، لكنك تعتقد ذلك، أنت صادقٌ مع نفسك، وقد تقول حقًا وأنت لا تعتقد هذا الحق، فأنت كاذبٌ مع نفسك، ستة أنواع للكذب والصدق.
والحقيقة لو جمعنا الآيات القرآنية التي ورد فيها الصدق والكذب لوجدناها كثيرةً جدًا، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي ) )مطلقًا، إذا كنت صادقًا في أي شيء، صدقك يهديك إلى الصواب.
(( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ) )
[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
والمؤمن لا يكذب، لأن بين الكذب والإيمان تناقضًا، أي أن الكذب ينقض الإيمان، والإيمان ينقض الكذب، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ) )
[عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]