لابدَّ من أن نقف وقفةً متأنِّية عند الكذب، أحيانًا هناك واقع، إذا جاء الخبر عن هذا الواقع مطابقًا للواقع فأنت صادق، صادقٌ في أقوالك، وإذا جاء القول مخالفًا للواقع، جاء الخبر عن الواقع مخالفًا للواقع، فهذا قولٌ كاذب، صادق وكاذب، توافق الخبر مع الواقع صدق، عدم موافقة الخبر للواقع كذب، الآن أنت قلت شيئًا، فإذا جاء عملك مطابقًا لقولك فهذا صدق الأفعال، وإذا جاء مخالفًا لقولك فهذا كذب الأفعال، فهناك صدق الأقوال، وكذب الأقوال، وصدق الأفعال، وكذب الأفعال، بقي نوعان آخران، إذا قلت: إن هذا الإنسان هو رسول الله، فكلامك هذا صحيح مطابق للواقع، لكنك لا تعتقد أنه رسول الله، هذا كذب من نوع آخر، هذا كذب مع النفس، المنافق كاذبٌ مع نفسه، كل ما يقوله لا يعتقد به، كل ما يقوله لا يُصَدِّقُهُ، فإذا جاء خبرك مطابقًا للواقع فأنت صادق، إن لم يكن مطابقًا للواقع- لا سمح الله - فهو كاذب، إن جاء الفعل مطابقًا للقول كان هذا الفعل صادقًا، وإن جاء الفعل مخالفًا للقول كان الفعل كاذبًا، لذلك الله عزَّ وجل يمدح الصادقين في القرآن الكريم بشيءٍ كثير، أي صدقٍ هذا؟ صدق الأفعال.
{مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}
[سورة الأحزاب: 23]
جاءت أعمالهم مطابقةً لأقوالهم، جاءت أفعالهم مُصَدِّقةً لأقوالهم، إذًا هم صادقون، أما الذي جاءت أفعالهم مكذبةً لأقوالهم فقد قالوا في معركة الأحزاب:
{وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}
[سورة الأحزاب: 12]