أيها الإخوة الكرام، حينما بُعِثَ النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة نبيًا ورسولًا، بشيرًا ونذيرًا، أصحابه الكرام استجابوا له، وفهموا حقيقة دعوته، وطَبَّقوها، وتألَّقوا، ودانت لهم الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، وخرجوا من جزيرتهم ونشروا الإسلام في الخافقين، هذه الدعوة المتألِّقة، هذه الدعوة السماوية، كيف يمكن أن تفرَّغ من مضمونها؟ كيف يمكن أن تتراجع؟ كيف يمكن تزهو؟
2 ـ موقف اليهود من دعوة الرسول كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا:
اليهود جاءتهم التوراة، حُمِّلوا التوراة، أي أُنْزِلَتْ على نبيِّهم، نبيهم علمهم إيَّاها، عرفوا أحكامها، ثم لم يحملوها، حُمِّلوها تعليمًا وإرسالًا، ثم لم يحملوها تدبُّرًا وتطبيقًا، فأكبر خطر ينتظر المسلمين هو أن يقرءوا النصوص، ولا يعملوا بها، أن يفهموا حقيقة الوحي ولا يطبِّقوه، أن يكونوا أوعيةً لا وعاةً لهذا الدين العظيم، وهناك مفارقة عجيبة جدًا هي أن الصحابة الكرام كانوا قلة لا يزيدون على عشرة آلاف رجل، نُقِلَتْ دعوتهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، بينما المسلمون اليوم يزيدون على مليون ومئتي مليون، ومع ذلك تروْنَهُم ليسوا كما ينبغي أن يكونوا.
في الحقيقة الخطر الكبير الذي ينتظر المسلمين هو أن يكون هذا الدين صورةً في حياتهم، ليس مطبقًا في حياتهم، الله جلَّ جلاله يقول:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}
(سورة الأنفال: الآية 33)
أجمع العلماء على أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن يرتحل إلى ربِّه عذاب أمته بمخالفة سُنَّته، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل علامة حبه اتباع سنة نبيه، قال تعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}
(سورة آل عمران: الآية 31)