فالأمّية فيه هي عين الكمال، كما إذا كنَّا نريد أن ننشئ مركزا علميا راقيا جدًا، نختار أرض فلاة صخرية نظيفة، أما لو اخترنا أسواق المدينة حيث الضجيج، والازدحام، والقاذورات، والخلافات، والمشاحنات، فهذا المكان لا يصح لبناء معهد علمي راقٍ، فالوحي نزل على قلب إنسانٍ طاهر نقي، ونزل في أرضٍ خالية، لا فيها حضارات، ولا فيها تداخل حضارات، ومع الحضارات تزوير وكذب وبهتان، وفيها مداخلات، وأشياء لا تُحمَد عُقباها، أرض خالية، حتى العرب في صحرائهم كانوا على صفاءٍ معيّن، طبيعة البيئة تفرض على أصحابها نوعا معيّنا من الصفاء، فالله اختار هذه الصحراء، واختار هذه الأمَّة الأمِّية، واختار هذا النبي الأمّي ليكون رسوله إلى آخر الزمان، وليتنزَّل على قلبه القرآن، ولتصبح هذه الأمَّة البسيطة الأمّية التي رَعَتْ الغنم قادةً للأمم، ولتعود قادةً للأمم فهذا منوطٌ بعودتها إلى الله، واصطلاحِها معه، أما إذا ..
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}
إذًا:
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ}
أي في أمَّةٍ أمِّية، في بيئةٍ صافية، في بيئةٍ بعيدةٍ عن الحضارات، بعيدةٍ عن المُداخلات، بعيدةٍ عن تصادم الأفكار، في بيئةٍ صافية بعث فيها هذا النبي الأمِّي.
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ}
من جِبلَّتهم، من طبيعتهم، من قومهم، من لغتهم، فلو أن النبي لم يكن منهم لم تقم الحجَّة، لو أنه ليس من بني البشر لم تَقُم الحجَّة، ولقلنا له: نحن بشر، يا رسول الله لو تعاني ما نعاني من شهوات لعذرتنا، نحن بشر لو تعاني ما نعاني من حاجات مادّية لعذرتنا، أنت لا تشعر بهذا، لكن النبي بشر، من بني البشر، يحسُّ بما نحس، يغضب ويرضى، يجوع ويعرق، ويخاف ويطمئن، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر ..