لو أن قطعتين من اللحم، قطعة لحم مشوية، وهي من أجود الأنواع، وقطعة لحم متفسِّخة من خمسة أيام، وريحها تصل إلى ما بعد خمسين مترًا، إنَّ هذه لحم، وهذه لحم، فهل يستويان؟ والله البونُ شاسع بينهما، وأنا أعتقد أنه لا توجد رائحة على وجه الأرض أكثر إيذاء للإنسان من اللحم المتفسِّخ، وكلكم سافرتم، فإذا كان هناك حيوان ميت متفسِّخ من مئتي متر تجد أنك لا تتحمَّل الرائحة، فتسد أنفك، وتضاعف السرعة لكي تتخلَّص من هذه الرائحة، وهناك لحم مشوي، وكلاهما لحم ..
{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ}
لا يستوي، المؤمن عالم .. ما اتخذ الله وليًا جاهلًا ولو اتخذه لعلَّمه .. الكافر جاهل، إنه كتلة جهل، وقد يكون يحمل أعلى شهادة، ولكن لأنه لم يعرف الله فهو جاهل، قد يكون في اختصاصه متفوِّقا، هذا يسمى ذكيا ولا يسمى عاقلًا، بالمعاملة؛ هذا مستقيم وهذا منحرف، هذا وفيّ وهذا خائن، هذا حيي وهذا وقح، هذا عفوّ وهذا منتقم، هذا صبور وهذا لجوج، هذا منصف وهذا ظالم، هذا سامٍ وهذا دنيء، هذا وديع وهذا فيه غلظة، هذا مؤنس وهذا موحش، لا يستويان، المؤمن متصل بالله فاشتقّ من كماله، وأي مؤمن إن اتصل بالله عزَّ وجل اشتقَّ من كماله، فتجد فيه الوداعة واللطف، والأدب والحياء، والرحمة والشفقة، والعدل والإنصاف، والورع والخوف، والافتقار والتواضع؛ وابتعد عن الكبر والغطرسة، والعنجهية والسيطرة، والدناءة والأنانية، والأثرة والقسوة والجحود ..
{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ}
والله لو عشت مع مؤمنٍ، وعشت مع عاصٍ أو كافر لو لم ينطق كلاهما بكلمة لرأيت البون شاسعًا بينهما.