أيها الإخوة، أقول لكم وأعني ما أقول: إنه ما مِن كتاب على وجه الأرض يُؤلَّف، ويُطرحُ في الأسواق، إلا و يُكتشف بعد حين أنّ فيه نقصًا أو خللًا أو بُعدًا عن الواقع ... أو تناقضًا مع حقيقة عِلْمِيَّة، فالزَّمن وحدهُ يكفي لِكَشْف خلل كلّ كتاب، ما خلا القرآن الكريم، فقد مضى على نزوله خمسة عشر قرنًا، وقد انتقلَ العلم خلال هذه الحِقَب إلى قفزاتٍ مذْهلة، ومع ذلك لا نجد حتَّى الآن في كتاب الله شيئًا يتناقض مع العلم، بل إننا لا نجد العلم الصحيح إلا إذا تطابق مع القرآن الكريم.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثانية، وهي قوله تعالى:
"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ".
[سورة محمد]
فهذا مانعٌ آخر، وهو أنت، فما هو القِفل؟ و القفل هو حُبّ الدنيا! وحبُّ الدنيا يُعمي ويُصِمّ، وهو رأس كلّ خطيئة، و الإنسان الذي لا يفهم القرآن، إما منغمس في الدنيا، ... أو أنَّه يقرأ نصًّا ليس بقرآن.
فيا أيها الإخوة .. هاتان الآيتان في كتاب الله تحضَّان الإنسان على تدبّر القرآن الكريم ومعنى التدبّر أن تتدبَّر فيما وراء هذه الآية، فالله عز وجل قال:
"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ".
[سورة النور]
فلو أنَّني خالفت هذه الآية مثلًا فلن أسْعدَ في زواجي، ولن أتفرَّغ لِدِراستي، ولن أرقى عند ربِّي، كذلك لمَّا قال الله عز وجل:
"يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) ".
[سورة البقرة]
إن خالق الكون هنا يقول لك:"يمحق الله الربا"، و معنى ذلك: أنه مهما بدا لك المُرابي ذَكِيًّا فهو أحمقٌ غَبِيّ، لأنّ خالق الكون يتوعَّدُهُ بالدَّمار!
و التَّدبُّر هو أن تكتشف ما وراء هذه الآية من أمر، ونهي، ووعد ووعيد، وسعادة وشقاء، فكلام الإنسان قد تجده أحيانًا يستحق أن تُفكِّر فيه، وأن تقف موقفًا منه، فكيف بِكلام خالق البشر؟!