فهرس الكتاب

الصفحة 18336 من 22028

نحن أحيانًا نتوهَّم أن فلانًا (موظّف في دائرة) ، وهناك إنسان أعلى منه مرتبة، يراه يفعل كل شيء ويرى نفسه ليس بشيء، هو أسبغ عليه هذه الهالة العظيمة، هو الذي يسعد إذا ابتسم في وجهه ويتألَّم أشدَّ الألم إذا عبس في وجهه، هذا الشخص هو الذي أعطاه هذه الهالة، هو في الحقيقة لا شيء، عبدٌ فقير.

قيل لأحد الخلفاء من خلفاء بني العبَّاس وأظنّه هارون الرشيد، وقد طلب كأس ماء فقال له أحد الحكماء:"بكم تشتري هذه الكأس إذا مُنِعت منك؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا مُنِع إخراجها؟ قال: بنصف ملكي الآخر". فالإنسان مفتقر لكأس ماء، مفتقر إلى شربه ومفتقر إلى إخراجه.

الإنسان مهما بدا عظيمًا، مهما بدا قويًَّا، مهما بدا حكيمًا، مهما بدا ذكيًا يحمل شهادة بورد مثلًا، يملك كذا، حجمه المالي فلكي، يقول لك: أرقام كلها فلكية، بيته من أفخم البيوت، مركبته من أحدث المركبات، كل هذه المكانة وهذا العطاء خثرة دمٍ لا تزيد عن حجم رأس دبوس إذا تجمَّدت في أحد عروق الدماغ تجعله مشلولًا، أو تجعله أعمىً، أو يفقد ذاكرته، أو يفقد توازنه، فما هذا الإنسان؟! كل قيمة الإنسان تتوقف على خثرة دم مجمَّدة في رأسه، شيء مخيف إذا قال لك الطبيب: خثرة في الدماغ، أي أنه انتهى، إنها تنتقل من مكانٍ إلى آخر، مكان الذاكرة، مكان الحركة، مكان الإدراك، مكان التصوُّر، مكان الرؤية، مكان السمع، مكان الشم، أي مكان مدمِّر، خثرة دم، إذا انسد شريان عند إنسان يحتاج إلى فتح قلب، وإلى عملية قلب مفتوح، وإلى أخذ شريان من ساقه، وجراحة تكلِّف الملايين، فما هو هذا الإنسان؟ يقول لك: أنا، فمن أنتَ؟

{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت