طيب هو ذكي، حَصَّل تحصيلًا عاليًا، فلماذا غفل عن موضوع هذه الخطبة مثلًا؟ لأنه هو في واد وموضوع الخطبة في وادٍ آخر، آلة تصوير من أغلى الآلات، لو أن إنسانًا أمسكها ووضعها أمام منظرٍ جميلٍ جدًا، وضبط كل حركاتها وسكناتها، ضبط الفتحة والمسافة والسرعة، وضغط على زرها المتعلق بالتقاط الصورة لكنها ليس بداخلها فيلم، فلا قيمة لهذه الآلة، ولا قيمة لهذا الضغط، ولا قيمة لذاك التوجُّه، فالإنسان إذا طلب الحق فأي شيءٍ يدله على الله، قرار الحق قرار داخلي، إذا أردت أن تعرف الحقيقة، إذا أردت أن تصل إليها، فأي شيءٍ في الأرض يدلُّك على الله، أما إذا كان هناك إعراض داخلي، انصراف عن الحق داخلي، عدم اعتناء بالحق داخلي، هذا الانصراف الداخلي أثره سقيم، فلو أنه التقى برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
مَاذَا قَالَ آَنِفًا (16)
ولو قرأ أعظم كتاب، ولو استمع إلى أبلغ شريط، ولو حضر أعظم خطبةٍ، يقول:
مَاذَا قَالَ آَنِفًا (16)
لماذا لم يعقل؟ لماذا لم يفهم؟ لأنه في واد والحق في وادٍ آخر.
من لم يطلب الحق لا يفهم شيئًا:
أقرب مثل: أحيانًا الإنسان يدخل إلى محل تجاري فيه بضائع منوعة، لقد دخل إلى هذا المحل ليشتري قماشًا معينًا، فقد يأتي صاحب المحل التجاري ويعرض عليه بضاعةً أخرى، لا يعبأ، ولا يهتم، ولا يسمع، ولا يدقق، ولا يفكِّر إطلاقًا، هو في واد والبضاعة المعروضة عليه في وادٍ آخر، فلذلك هذا نموذج متكرر، أن يكون الإنسان غافلًا أو ممتلئًا قلبه بالدنيا، منصرفًا إلى الدنيا، مصرًا على شهواتها، لم يُدخل في حساباته الدار الآخرة، مثل هذا الإنسان لو التقى برجل يحدِّثه عن الله عزَّ وجل، لا تجد إصغاءً، ولا فهمًا، ولا تأثُّرًا، ولا عقلًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ (16)