لأن هذا الكلام، كلام خالق الأكوان، فالله يعلم ما سيكون، علم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون، إذًا لو سألتني عن دليل قطعيٍّ، جامعٍ، مانعٍ، يثبت للإنسان الجاحد أن هذا القرآن كلام الله، أقول لك كلمة واحدة: هي إعجازه؛ الإعجاز العلمي، والإعجاز الإخباري، غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل، الإعجاز التشريعي، الإعجاز التربوي، هذا كلام الله عز وجل، فمن أراد أن يتثبت من أن هذا القرآن كلام الله، فليبحث، فليتدبر، فليتفهم، فليقرأ قراءة تفهم، قراءة وعي، قراءة تدبر، حتى يستقر بأعماقه أن هذا القرآن كلام الله، حتى إذا قرأت القرآن ورأيت الأمر والنهي، ورأيت الوعد والوعيد، تعرف من صاحب هذا الكلام، والشيء الثابت أن الإنسان ينصاع للأمر على قدر الآمر، كلّما عظم الآمر عظم أمره، وكلّما صغر في عينك الآمر، صغر أمره.
الدعوة الناجحة إلى الله عز وجل تنطلق من تعريف الآمر قبل الأمر:
لذلك أية دعوة إلى الله عز وجل، تنطلق من تعريف الآمر قبل الأمر دعوة ناجحة، أما إذا انطلقت مَن تعريف الأمر قبل الآمر، فهذه الدعوة قد لا تنجح، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت، ذكرت لكم مرة أنّ الإمام الغزالي لما خاطب نفسه، قال لها: يا نفس لو أن طبيبًا منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟.