في الحياة شيء اسمه الاثنينية، إما مع هؤلاء، وإما مع هؤلاء، وملة الكفر واحدة في شتى بقاع الأرض، وفي كل الحقب والعصور والأزمان، والمؤمنون بخندقٍ واحد في كل العصور والأزمان والفصول، المؤمن مؤمن أينما كان، والكافر كافر، فربنا عزَّ وجل كل هذه التقسيمات، وهذه الانتماءات، وهذه العنعنات، وهذه العنجهيات، وهذا التشقيق، وذاك التفريع، وفلان نسبه إلى كذا، وفلان من الدول الغنية، ومن الدول الفقيرة، كل هذه التقسيمات لم يعبأ الله بها، قال في النهاية:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ • وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}
لماذا كفروا؟ وما علة كفرهم؟ الآية الأولى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
إذًا: أيّ شيء اسمه إيمان وحده لا قيمة له.
العلم ليس مقصودًا لذاته في الإسلام، العلم وسيلة، وكل إنسان اكتفى بالعلم فهو جاهل، جاهل وهو عالم، لأنه اكتفى بالعلم، فهم الآية، حللها، نَمَّق في شرحها، لكن لم يطبقها، لذلك الدعاء الذي يقصم الظهر:
"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني".
يمكن أن تشرح لإنسان آية، وتتفنن بشرحها، وتتعمق في مدلولها، وتأتي بأمثلة، لكن المستمع عقل هذه الآية، وطَّبقها، وسبقك.
"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني".
انتبه إلى نفسك، لا تجعل أحدًا من المستمعين أسعد منك بهذا القرآن، لا تجعل الذين تدعوهم إلى الله أسعد منك بهذا الدين، لا تجعل من يستمع إليك أوعى منك، إيَّاك أن تفعل هذا، هذا الذي جاء في الأثر:
(( أندم الناس رجلٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار ) ).