{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) }
إذًا الذي يجمع بين طرفي الآية هو أنه إذا غلب على ظنِّك أنك بعفوك عنه تقرِّبه، فيجب أن تعفو عنه، أما إذا غلب على ظنِّك أنك بعفوك عنه تجعله يجترئ، ويعتدي على إنسان آخر فيجب عليك أن توقفه عند حدِّه.
لعمري إن معنى المنتقم، المنتقم اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل، فإذا قلنا: فلان انتقم. لا نشعر أننا نثني عليه، فكأننا نَذُمُّهُ، فالله سبحانه وتعالى منتقم بمعنى إذا أساء الإنسان يوقفه عند حدِّه ويحمله على الاستقامة وعلى التوبة والانتقام من الله ليس بالمعنى الذي نفهمه فيما لو نُسِبَ هذا الاسم إلى الإنسان، الانتقام من الله عزَّ وجل يعني أن الله إذا رأى عبدًا طغى وبغى، واستمرأَ الظلم، وتجاوز الحدود، واعتدى يعالجه معالجةً يوقفه بها عند حدِّه رحمةً به، لأن الله عزَّ وجل قال:
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) }
(سورة الأعراف)
أسماؤه كلُّها حسنى، وكماله مُطْلَق، وكل ما في الكون ينطق بوجوده ووحدانيَّته وكماله، فهذا التوضيح من الدرس السابق ..
{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) }
الله عز وجل خلق الإنسان ليهديه لا ليضله:
أما الدرس الذي بدأنا به ..
{وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) }
إخواننا الكرام ... لا يعقل أن يَخْلِقَ الله الإنسان ليهديه إليه ثمَّ يضلِّه، هذا الشيء لا يتناسب مع روح القرآن، ولا يتناسب مع سرِّ الوجود ..
{إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}