فكيف نوفِّق بين أن ينتصر المؤمن على من بغى عليه، وبين أن يعفو عنه؟ ذكرت في الدرس الماضي جانبًا من تَبْيَان المفارقة بين الجزئين، والحقيقة إذا غلب على ظنِّك أنك إذا عفوت عن إنسانٍ أساء إليك سيجعله يجترئ على ظلم الآخرين فيجب ألا تعفو عنه، ويجب أن تنتصر منه، أما إذا غلب على ظنِّك أنك إذا عفوت عنه أصلحته وقرَّبته إلى الله عزَّ وجل فيجب أن تعفو عنه، وهذا هو المقياس.
المؤمن لقوة التوحيد الذي ملأ كيانه ليس له حظٌ وليس له رغبةٌ في الانتقام، ولكن إذا كان الأصلح، والأكمل، والأحكم أن تنتصر من هذا الذي بغى عليك كي تردَعه عن أن يظلم إنسانًا آخر، فالحكمة أن تنتصر منه، أما إذا رأيته قد نَدِم، وكان ضعيفًا أمامك، ورأيت فيه جانبًا من الخَير بحيث أنك إذا عفوت عنه تقرِّبه من الله عزَّ وجل، وتُنْهِضُهُ وتعينه على نفسه فالأولى أن تعفو عنه، فهذا هو المقياس ..
{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) }
الأجر ما بيَّن، قال:
{فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) }
ولو أن أحدًا (من باب التقريب) قال لك: أجرك من الملك. ماذا تعني كلمة مَلِك؟ هل سيعطيك قلم رصاص؟ وهل ليرة واحدة سيعطيك؟ فماذا تعني أجرك من الملك؟ شيء لا يقدَّر ..
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) }
على كل مسلم أن يوقع الجزاء العادل بمن بغى عليه إن كان العفو لا ينفع معه:
أنت حينما تكون قادرًا على أن توقع الجزاء العادل بمن بغى عليك، لكنك رأيت أنك إذا عفوت عنه تنهضه من كبوته، وتعينه على شيطانه، وتقرِّبه من ربِّه ومن المسلمين، وتجعله ينضمُّ إلى المؤمنين بعفوك عنه فيجب أن تعفو عنه ولكن أين حقُّك؟ أجرك على الله. إذا كان لك مع واحد ألف، وقال لك شخص: سامحه وخذ مني مليونًا. ألا تسامحه؟ ..