فهرس الكتاب

الصفحة 16835 من 22028

كما قلت في الدرس السابق إن الجنة مبنية على الطلب، اطلب تُعط، بل إن أي شيءٍ يخطر في بالك تجده أمامك، هذا نظام الجنة، ولكن الحياة الدنيا تحتاج إلى جهدٍ وبذلٍ، وسعيٍ وكدحٍ، ومعاناةٍ ومكابدةٍ، وهكذا طبيعة الحياة الدنيا، وتلك طبيعة الآخرة، فالحياة الدنيا محدودة، إنها أيام معدودة، ولكن الحياة الأبدية خالدة وغير محدودة.

وبعد أن يبين الله سبحانه وتعالى هذه المفارقة الحادة، بين إنسان (كما ذكرت في الدرس الماضي) أراد أن يُهرب مادة ممنوعة أو مادة مخدرة والصفقة يأخذ عليها عشرات الملايين، وهو في أعلى درجات النشوة من هذا المبلغ الضخم الذي حَصَّله، فجأةٌ ألقي القبض عليه والحكم بالإعدام مثلًا، فقبل دقائق كان يعدّ نفسه من الأذكياء الذي جمعوا مالًا طائلًا بجهدٍ يسير، وفجأةً أصبح هذا الشيء الذي ضُبط معه سبب هلاكه وقتله، وضع هذا الإنسان وهو ينتظر النُطق بالإعدام وراء القُضبان، فهل هذا الإنسان يشبه إنسانًا آخر يكرم؟ يقدم له أطايب الطعام، ويحاط بكل أنواع الحفاوة والتكريم؟ إن المفارقة حادة جدًا بين إنسان على وشك الهلاك مما كسب وإنسان يتلقَّى كل تكريم.

{تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ (22) }

(سورة الشورى)

أيها الأخوة الأكارم، لا يوجد إنسان إلا وعنده مقاييس يقيس الأشياء بها، فالإنسان أحيانًا يقول: فلان حَصَّل أموالًا طائلة بزمن يسير فيعده ذكيًا، فالمقياس هنا مادي، وفلان وصل إلى منصبٍ رفيع في سنٍ مبكرة، فيعد هذا الوصول إلى هذا المنصب الرفيع أيضًا قدرةً فائقة على استيعاب القِوى التي تحيط به، يعده ذكيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت