لكن النقطة الدقيقة جدًا في هذه الآية أن مجموعة الأشخاص الذين يراقبون الخصومات، هذه الدعوة بأكملها قد تسقط، فإذا راقبت عدة دعاة يتراشقون التُهَم، ويجرح بعضهم بعضًا، ويبخس بعضهم مقام بعض، فقد تقول في ساعة غيظ: ما هذه الدعوة؟ خصومات الدعاة تنعكس على مجموع الدعوة، ولذلك كما قلت في الدرس الماضي: سمَّى ربنا عزَّ وجل هذه الخصومات كفرًا، قال:
{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}
(سورة آل عمران: من آية"101")
فليس من صالح الدعوة إلى الله، ولا من صالح مجموع المسلمين، ولا من صالح مستقبل هذا الدين أن تنشر معارف جانبيَّة، وخصومات، وعصبيَّات، وانحيازات بين الدعاة إلى الله عزَّ وجل، إنهم إن فعلوا ذلك سقطوا جميعًا، وسقطت معهم الدعوة.
من رجّح مصلحته على مصلحة المسلمين ضعُف إخلاصه:
ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن بعض الذين حاربوا المستعمرين في شرق آسيا، وكيف أنهم كانوا كبارًا في عيون الجميع، فلمَّا تخاصموا فيما بينهم وتناحروا تعجَّبنا من هذا الوضع، وسكتت ألسنتنا عن أن نثني عليهم، فالخصومات بين الجماعات الدينيَّة خطيرة جدًا، وتعود بالخطرِ على كل الدعوة إلى الله.
فلذلك هذا التفرُّق الذي كان بسبب البغي، والحسد، وطلب الرئاسة، وطلب المَجد، والسيطرة، والدنيا، والمال، والأتباع، هذه كلّها مكاسب دنيويَّة.