الآن أعظم معمل صنعه الإنسان يبدو أمام الورقة الخضراء عملًا سخيفًا بسيطًا، لأن هذه الورقة تأخذ من التربة ما يزيد على ثمانية عشر معدنًا مذابًا في الماء عن طريق الجذور، وعن طريق النسغ الصاعد، وتأخذ من الشمس طاقتها الحراريَّة ـ الفوتونات ـ وتأخذ من الهواء ثاني أوكسيد الكربون، وفيها مادة اليخضور، وفيها ذرات الحديد، هذه الورقة بتفاعلاتٍ عديدةٍ عجيبة يصعب على العقل فهمُها، تصنع الورقة نسغًا آخر ينزل، هذا النُسُغ سائل موحَّد يسهم في تصنيع الجذور، وتصنيع الجذع، وتصنيع الفروع، وتصنيع الأغصان، وتصنيع الأوراق، وتصنيع الثمار والأزهار، فانعقاد الثمرة في أكمامها بيد الله سبحانه وتعالى.
والشيء الذي يلفت النظر هو أن هذه البذرة فيها خصائص الثمرة، وقد تزيد الخصائص على مائة خاصَّة، كلها في البذرة على شكل أوامر مُبَرْمَجَة، تقول: هذا النبات يقاوم المرض فلاني، وهذا النبات يقاوم البرد، وهذا النبات إنتاجه مبكِّر، وهذا النبات إنتاجه حامضي، وهذا النبات نسيجه كثيف، وهذا النبات ماؤه كثيف، وهذا النبات من أجل العصير، وهذا النبات من أجل المائدة، فهناك أنواع منوَّعة جدًا جدًا في كل نبات يخلقه الله سبحانه وتعالى.
يكفي أن من أصناف القمح ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة نوع، يكفي أن أنواع العنب تزيد على ثلاثمائة، يكفي أن كل محصولٍ وكل نباتٍ أنواع منوَّعة ترضي كل الأذواق، التفَّاح مثلًا كم نوعا؟ الدُرَّاق كم نوعا؟ القمح كم نوعا؟ هناك نوع قاس، نوع ليِّن، نوع يصلح للصناعة، نوع يصلح للخبز، فكل نوع له خصائص.