فالذين قالوا: الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة، لأنه يستحيل على المخلوق المحدود أن يحيط بالخالق، وهذا من كلامه، مهما اجتهدنا في فهم كتاب الله يبق فهمنا نسبيًَّا، بل إن أعلى فهمٍ لكتاب الله هو فهم النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فالنبي ما أحاط بكتاب الله، لأنه لا يعلم مضمون كلام الله على سبيل الحصر إلا الله، لكن المؤمن يجتهد.
فالذين قالوا: الله أعلم بمراده ما أخطئوا الحقيقة، لأنه يستحيل على المخلوق الحادث أن يحيط بكلام الله عزَّ وجل.
والذين قالوا: إن القرآن الكريم المُعِجِز صيغت آياته من هذه الحروف التي بين أيديكم، فكيف أن التراب حينما نَفَخَ الله فيه صار إنسانًا يتكلَّم، ويتحرَّك، ويفكِّر، ويرى، ويسمع، وينطق، ويأكل، ويشرب، وهذا الإنسان بخلقه المُعجز أساسه ترابٌ نُفِخَ فيه، والمادَّة الأوليَّة بين أيدينا ندوس عليها ..
خفِّف الوطء ما أظن أديم ... الأرض إلا من هذه الأجسادِ
ومع ذلك فخلق الحياة في الخليَّة شيءٌ فوق طاقة البشر، ومكوِّنات الحليب الذي تصنعه يد القدرة الإلهيَّة من خلال البقرة بين أيدينا، هل يستطيع العلم مهما تقدَّم أن يصنع هذا السائل المُغذي من مكوِّناته الأساسيَّة؟ ومكوِّنات البيضة التي تصنعها يد القدرة الإلهيَّة من خلال الدجاجة بين أيدينا، فهل نستطيع أن نصنع هذه البيضة؟ وهذه من أبسط الأمثلة، فالمكوِّنات شاءت حكمة الله أن يجعلها بين أيدينا، ولكن خالق الحياة هو الله عزَّ وجل، الذي يخلق الخلية الحيَّة، والذي خلق هذه الخليَّة لتنمو وتتكاثر، ثم كل قسمٍ منها يأخذ اتجاهًا حتى يكون نواةً لجهازٍ دقيقٍ في الإنسان، وهذا من فعل الله عزَّ وجل.
فكما أن التُراب بين أيدينا، وخلق الإنسان من إعجاز الله، شيء يثبت عظمة الله عزَّ وجل، كذلك هذا القرآن الحروف بين أيدينا ..