فلما أيقن أنه لا بد من أن يقتصَّ منه ولى هاربًا شطر الشمال، والتحق بقومه الغساسنة، وشرب الخمر، وعاش حياةً لاهيةً عابثة، لكنّي عثرتُ قبل فترة على أبياتٍ قالها وهو يفارق الحياة، لو سمعتم هذه الأبيات لشعرتم أن قلبه يُعْتَصَر من شدة الندم، هل تحبون أن تعرفوا مَن هو العاقل؟ هو الذي يفعل فعلًا لا يندم عند الموت، عند الموت هناك ندمٌ شديد.
ماذا قال أحد الصحابة؟ قال: >، أي أنه منطلقٌ بأعلى سرعة، لو علمت أن غدًا أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي.
وقال سيدنا علي: >.
أيْ أنَّ أصحاب النبي بلغوا من يقينهم أنه لو كشف الغطاء، أنّ يقينهم قبل كشف الغطاء كيقينهم بعد كشف الغطاء، وأنه لو علم أحدهم أن غدًا أجله ما قدر أن يزيد في عمله، فالإنسان هذه الساعة التي لا بد منها ساعة الفراق، يجب أن تكون ماثلةً أمامه دائمًا، ومستعدًا للقاء الله عزَّ وجل، وللإجابة عن كل أعماله التي فعلها في الدنيا.
فلذلك الإيمان على فراش الموت لا ينفع، فلما كان على قيد الحياة حرم البنات حقَّهُنّ، وأعطى البنين العطاء الجزيل، غيَّر في الميراث، وكتب سندات دَيْن خلَّبية كلها، حتى جعل الثروة بأيدٍ قليلة، هذا كله متى يندم عليه؟ وهو على فراش الموت.
في بعض البلاد الإسلامية عالِمٌ أفتى ببعض الفتاوى التي لا ترضي الله عزَّ وجل، قال لي أحد علماء دمشق: حضرت نزعه الأخير، وهو على فراش الموت رفع يديه الاثنتين، وقال:"إنني أشهدكم أنني برئٌ من كل الفتاوى التي أفتيت بها من قبل"، طبعًا أدرك الخطورة.