خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، هذا هو الهدف الكبير من خلق الإنسان، لكن لأن هذه الرحمة رحمةٌ أبديَّةٌ سرمديَّةٌ، متعاظمةٌ متناميةٌ، هذه الرحمة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذا العطاء العظيم والمديد والكبير يحتاج إلى إعداد، الإعداد في الدنيا، الدنيا إذًا مزرعة الآخرة، الدنيا إذًا دار عمل، الدنيا إذًا دار تكليف، في الآخرة التشريف، في الآخرة الجزاء، في الآخرة جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض، في الآخرة حياةٌ أبديَّةٌ سرمديَّة، متناميةٌ متعاظمةٌ، لا قلق، ولا حزن، ولا مرض، ولا همَّ، ولا خوف، ولا أي شيء يزعج الإنسان.
إذًا: الأصل أن تعرفه، ثمَّ تطيعه، ثم تسعد بقربه في الدنيا والآخرة، هذا هو أساس كل الدين، الدين ثلاث كلمات؛ جانب معرفي، جانب سلوكي، جانب جمالي، والجمالي هو الهدف، الجمالي تذوق منه طرفًا في الدنيا، وتذوقه كلَّه في الآخرة، الهدف أن تسعد.
ألا تمرُّ بالإنسان أحيانًا ساعات يشعر بها بالسعادة؟ لو فرضنا أنه شعر بنشاطٍ شديد، وأكل أكلةً طيِّبة، وكان بين أهله وأولاده آمنًا، وهم سالمون معافون، وكان له دخلٌ يغطِّي نفقاته، ألا يشعر بساعة من الساعات أنه مرتاح مطمئن؟ فهذه لحظة عابرة، لكن هذا الشعور بالسعادة لا يستمر إلى أبد الآبدين، الإنسان قد يسعد من باب المجاوزة، من باب المجاز إذا توافرت له صحَّةٌ طيبة، وحاجاتٌ، وسمعةٌ، ومكانةٌ، أما لو توافرت له هذه الحاجات كلها بشكلٍ متنامٍ متعاظم إلى أبد الآبدين فهذا هو الفوز العظيم ..
{وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }
(سورة الأحزاب)