فلو أنّ واحدًا أكل أكلة، لدقائق وانتهى الأمر، ولو أن ضرسًا آلمه، فهل لذَّة الطعام السابقة تنسيه هذا الألم الذي ألمَّ به؟ الطعام متعةٌ عابرة، وكل متع الأرض عابرةٌ كذلك، ولكن العاقبة لما بعد الموت، لذلك فُرِّقَ بين السعادة واللذَّة، السعادة متنامية ومستمرة، أما اللذة أولًا فهي عابرة، وثانيًا تعقبها ندامةٌ، وتعقبها كآبة، هذه هي اللذة، لذلك مَن عرف الله عزَّ وجل زهد فيما سواه، من عرف حقيقة الدنيا مال إلى الله سبحانه، ولقد قال الله عزَّ وجل:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) }
(سورة الروم)
الله عزَّ وجل أثبت لأهل الدنيا أنهم يعلمون ظاهرها، لأنّ الإنسان عندما يطَّلع على بعض مظاهر الترف، ومظاهر الدنيا عند أهل الدنيا، يأسِره ذوقهم، وأناقتهم ودقتهم، ومصنوعاتهم الراقية، وقد تستميله هذه المظاهر، وينشغل بها عن الله عزَّ وجل الذي أثبت لهم ظاهرها، ولم يثبت لهم حقيقتها، فهم ما عرفوا حقيقة الدنيا البتة.
2 ـ طبيعة الدنيا كبَد ومشقة:
حقيقة الدنيا أنها دار عمل، حقيقة الدنيا أنها دار إعداد، حقيقة الدنيا أنها دارٌ تُكتسب بها أهلية لسعادة أبدية، حقيقة الدنيا كما جاءت في قول النبي عليه الصلاة والسلام"إن هذه الدنيا دار التواء"، فلا تجد إنسانًا أموره تامة، لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله، عنده زوجةٌ ممتازة، لكنّ أولاده ليسوا على ما يرام، أو بالعكس فأولاد أبرار وزوجته ليست على ما يرام، عنده زوجةٌ وأولاد قرة عين لكن دخله ليس على ما يرام، أو أنّ دخله جيد، وفي جسمه علةٌ تنغِّص حياته، لأن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الدنيا أن تكدري، وتمرري، وتضيقي، وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، أما الكافر فقد رضي بالحياة الدنيا، واطمأن لها، وهو عن آيات ربه معرض.