أنت تختار بين هذا العمل وهذا العمل، بين أن تسافر إلى هذه البلدة أو هذه البلدة، هذا هو الاختيار، أما تختار أن تعصي أو ألا تعصي فهذا الخيار ليس للمؤمنين هذا لغير المؤمنين، المؤمن حينما عرف الله عزَّ وجل وعرف أمره ونهيه انتهى اختياره، صار اختياره وفق مراد الله عزَّ وجل.
(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) )
[فيض القدير شرح الجامع الصغير]
تحبُّ الذي أحبَّه الله، تكره الذي أبغضه الله، توالي في الله، تعادي في الله، تُعطي لله، تمنع لله، تغضب لله، ترضى لله، هذا هو التوحيد، هذا هو الإيمان.
{فَمَنْ أَظْلَمُ}
استفهام إنكاري، أي ليس في الأرض كلّها إنسانٌ أشدُّ ظلمًا، ولا أفدح خسارةً، ولا أشد عذابًا، ممن تكلَّم على الله بغير علمٍ أو بخلاف ما يعلم، الأول ضال والثاني مُضل، والظالم الثاني هو الذي كذَّب بالحق إذا جاءه، والتهديد.
{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}
العقاب أليم جدًا، والثمن فادح، والخَطْب جَلَل، فقبل أن تعصي فكِّر كثيرًا، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى خاطب نفسه مرَّة فقال:"يا نفس لو أن طبيبًا نهاكِ عن أكلةٍ تحبينها لا شكَّ أنكِ تمتنعين عنها، يا نفس أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله؟". طبيب قال لك: هذه الأكلة لا تناسبك، هذا البيت عال لا يناسب قلبك، في اليوم الثاني تعرضه للبيع، فالموضوع ليس معه لعب، قلب، فطبيب نصحك بأن تبيع هذا البيت العالي، أو أن تمتنع عن هذه الأكلة التي تؤذي شرايينك، لماذا أنت تستجيب؟ حفاظًا على صحَّتك وتصديقًا لكلام الطبيب"أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله إذًا ما أكفرك! أيكون وعيد الله عزَّ وجل أشدَّ عندكِ من وعيد الطبيب؟ إذًا ما أجهلكِ!".
فالإنسان حينما يعصي يُدْمَغ حتمًا إما بالكفر وإما بالجهل، إما كافر ما عرف أحقيَّة هذا الأمر الإلهي، أو جاهل بما ينتظره من عذابٍ أليم في جهنَّم وبئس المصير.