الدين هو الخضوع لله، فالإنسان يخضع لمن؟ لو تصوَّرنا إنسانًا يحمل شهادة عُليا، وعيِّنَ في مكان المدير فيه يحمل ابتدائيَّة، هل يخضع هذا لهذا؟ مستحيل، يتنافسان، يتطاول عليه لأنه دونه، ولو كلَّفنا رتبة متدنية أن تقود رُتَبًا عالية، هل يخضعون له؟ لا يخضعون له، بل يستعلون عليه، ينتقدونه، أما المجنَّد فإنه أمام من أعلى منه رتبة يخضع، مثلًا طالب أمام أعلى شهادة علميَّة يخضع، فالإنسان لا يخضع إلا لعظيم، من طبيعة الإنسان أنه لا يخضع إلا لمن هو أقوى منه، لمن هو أعلم منه، لمن هو أكمل منه.
فالله عزَّ وجل مُطْلَق، ما معنى مطلق؟ أي نهاية القوَّة، القوَّة غير المحدَّدة، قوة البشر محدودة، أما الله عزَّ وجل قوَّته غير محدودة، عدالته غير محدودة، معنى مطلق أي أنه في كل شيء أعلى شيء، فمن هو الذي ينبغي أن تخضع له؟ هو المطلق؛ علمه مطلق، قدرته مطلقه، رحمته مطلقة، لطفه مطلق، فالإنسان لا يخضع إلا لمن هو أعظم منه، أعظم العظماء الله جلَّ جلاله، ملك الملوك الله جلَّ جلاله، أحكم الحاكمين الله جلَّ جلاله، أحسن الخالقين الله جلَّ جلاله، فله الدين، فالإنسان يكون مغبونًا كثيرًا لو خضع لغير الله، لأن غير الله عزَّ وجل عاجز، ضعيف، والله عزَّ وجل يعلم والبشر لا يعلمون ..
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
[سورة البقرة:19]
الله عزَّ وجل قوي والبشر ضِعاف، الإنسان تحت رحمة الله عزَّ وجل، فكل شخصيَّته اللامعة تنتهي لو تعطَّلت أعضاؤه، لو تخثَّرت نقطة دمٍ في شرايين دماغه لانتهى، فالإنسان قوي بالله، لكن من دون إمداد الله هو ضعيف، عالِم بالله، إذا حجب الله عنه علمه صار جاهل، حكيم بالله إذا سلب منه لُبَّه أصبح أخرق:
{لَهُ الدِّينَ}
انظر إلى الآية ما أروعها وما أدق معناها:
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}