حدثني أخ كان في مصر أثناء الزلزال، طبيبان في مستشفى متعمقان في علمهما، أنيقان في مظهرهما، وديعان في معاملتهما، لما وقع الزلزال واحد ترك المستشفى واتجه نحو الإسكندرية، والأخر بقي يعمل أربعًا وعشرين ساعة حتى تورمت قدماه، في المظهر والشهادة والعلم والكياسة متشابهان، ولكن هذا الزلزال كشف حقيقة كل منهما، واحد ضحى بنفسه وقدم علمه سخيًا لكل المصابين، وواحد نجا بنفسه وآثر سلامته على إسعاف المصابين.
فالقصة فيها مغزى عميق، كل إنسان في نفسه شيء كامن، هذا الشيء الكامن لا يتبدَّى إلا في بعض الظروف، لو أن الإنسان ساكن مع زوجته وحده ووالدته في بيت آخر، يمكن ألا يظهر إيثاره للحق، لكن أحيانًا تنشأ خصومة بين الزوجة والأم، هنا يظهر موقف الزوج إما أن ينحاز إلى أمه انحيازًا أعمى، وإما أن ينحاز إلى زوجته انحيازًا أعمى، وإما أن يقف الموقف الحقيقي ويعطي كل ذي حق حقه، لولا هذه الخصومة لما ظهر ما في النفس من كمال أو نقص، هذا معنى قول الله تعالى:
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}
[سورة العنكبوت: 2]
كل إنسان يوضع في ظروف دقيقة جدًا، أي الإنسان يكشف، هذا يدعي الكرم يوضع في ظرف فيظهر أنه بخيل، هذا يدَّعي أنه بار بوالديه فيوضع في ظرف معين فيظهر أنه عاق لوالديه، هذا يدَّعي حب الله عز وجل يضعه الله في ظرف فيه إغراء شديد فيميل مع الشهوة ويظهر أن ادعاءه كان كاذبًا، لا بدّ من أن تمتحن، قل ما تشاء، صف نفسك بأي صفة، ادَّع ما تشاء، حدثنا عن نفسك ما تشاء، الله عز وجل وحده يتولى كشف الحقائق عن طريق ظروف دقيقة دَقيقة، صَعبة صعبة يجتازها الإنسان.
النبي معصوم عن الخطأ:
قد يترفع الإنسان عن أخذ مبلغ مال حرام ويتبجح ويقول: أنا نزيه وأنا كذا، وهو ليس كذلك، يعرض عليه مبلغ كبير يقبل، معناه أن ادعاءه كان كاذبًا.